الخميس، 29 أغسطس، 2013

أوميح: جل الأساتذة المغاربة يختارون التعليم هربا من البطالة

بواسطة : tifawt بتاريخ : الخميس, أغسطس 29, 2013
رغم أنه اشتغل ببلاد العم سام في أعتى شركات الهواتف النقالة كمسؤول عن التكوين، ورغم أنه يشتغل حاليا كمنقب عن المواهب داخل الأكاديمية الإفريقية لإعداد القادة بجنوب إفريقيا، ورغم أنه طاف لسنوات طويلة بالكثير من بلدان العالم وتعرّف وساهم في تطوير أنظمة تعليمية مختلفة، إلا أن المهدي أوميح، المغربي الذي ترعرع بنيويورك، يُكّن حنينا خاصا لبلده الأصلي، غيرته على التعليم المغربي، ورغبته في أن ينقشع الظلام الذي يلف هذا القطاع ببلادنا، تجعلانه يصر على تشجيع التلاميذ المغاربة للنجاح في حياتهم من خلال مساعدتهم في طرق أبواب الجامعات العالمية، فأوميح، المبتسم دائما كما يعرفه الكثيرون، يختزل هدفه في الحياة، في أن يتحول التعليم المغربي إلى قاطرة للتنمية بدل أن يبقى حجر عثرة في طريق التقدم.

في هذا الحوار المباشر، الخالي من لغة الخشب، يتحدث أوميح لهسبريس، وهو الذي درس القانون والعلاقات الدولية بجامعات أمريكية، ودرّس في وقت لاحق بالمغرب في بعض المؤسسات الخاصة، عن المشاكل الحقيقية للتعليم بالمغرب، وعن المسؤولين على هذه الوضعية السيئة، مقدما لنماذج أجنبية استطاعت النجاح في هذا القطاع، ومسهبا، في تقديم الحلول، التي قد تثير الجدل بين متفق ومعارض، إلا أنها تشير إلى حرقة مواطن على التعليم في بلاده، وصراحته في تسمية الأشياء بمسمياتها، دون لف ودون دوران.

كيف وجدتم الخطاب الملكي الأخير الذي انتقد فيه الحكومة على سياستها التعليمية؟

الخطاب جيد من ناحية تشخيص الداء، ومن ناحية الحديث بصراحة عن تدهور قطاع التعليم ببلادنا، إلا أنه يبقى خطابا شفويا، ونحن الآن نحتاج المرور إلى إجراءات على أرض الواقع تقطع بنا مع هذا الحاضر المتردي للتعليم المغربي، يجب على الدولة أن تتعامل بصرامة وأن تكف عن الوعود والمخططات الجزئية، وأول ما عليها أن تقوم به، هو أن تُفعّل سياسة المحاسبة، بمعنى أن تتم محاسبة جميع المتدخلين في قطاع التعليم عن ماذا قدّموا لأبناء هذا الوطن، وكل من ثبت تورطه في اختلالات ما أو لم يقم بعمله جيدا، على الدولة أن تقيله من منصبه، أتحدث هنا عن الجميع، خاصة المسؤولين المتواجدين بالوزارة والنيابات والأكاديميات، حان الوقت لإعلان القطيعة مع حالة التسيب، حان الوعي كي نعي جميعا أن التعليم قطاع مصيري لا يسمح بتواجد الكسالى أو المنتفعين.

قلت إنك تتحدث عن جميع المتدخلين، هل تُدخِل في دائرتهم رجال ونساء التعليم إضافة للمسؤولين الذين ذكرتهم؟

أكيد، لا يمكن أن نتحدث عن فشل قطاع التعليم المغربي دون الحديث عن دور الأستاذ، ودعني أكون صادقا معك ومع قراء هسبريس، فبعض الأساتذة بالتعليم الثانوي والإعدادي والابتدائي، يسيئون إلى المغرب وإلى نظامه التعليمي عبر محبتهم المال أكثر من حبهم للتلميذ، وغالبيهم اختار هذه الوظيفة للهرب من البطالة وليس لأنه يريد التميز فيها. لا أستطيع أن أفهم كيف يقوم أستاذ ما، بأداء الساعات الإضافية لبعض تلامذته بالقسم، هذا يضرب في العمق مسألة تكافؤ الفرص، وهو للأسف، ما ينتشر بالمغرب دون حسيب ولا رقيب. ومن هذا المنبر، أطالب بتجريم هذه الممارسات، مع ضرورة تفعيل قرار الوزير محمد الوفا بمنع أساتذة التعليم العمومي من الاشتغال في الخصوصي، لأنه من يريد أن يكون أستاذا، عليه أن يفعل ذلك حبا في هذا الوطن وليس لأنه يريد ضمان دخل شهري قار.

ولكن الأستاذ المغربي يعاني كذلك، وهو مجبر أحيانا على الاشتغال في القطاع الخاص من أجل تلبية حاجيات أسرته؟

يجب أن تعرف أن الأجور التي ينالها رجال التعليم بالمغرب، والتي تبدأ ب4 آلاف درهم، وتصل إلى 15 ألف درهم، تُعتبر أكثر الأجور ارتفاعا بين كل الأنظمة التعليمية الإفريقية، متفوقة حتى على دول كجنوب إفريقيا والجزائر، ولنبتعد عن إفريقيا ولنذهب حتى إلى اليابان التي علينا أن نعرف أن الأستاذ ينال فيها أجرا أقل من الشرطي، فإذا كان الأجر أو ظروف العمل لا تناسب الأستاذ المغربي ولا تلبي حاجاته، فعليه أن يلجأ إلى مهنة أخرى، لأن التعليم الناجح رهين بحب الوطن والتلميذ.

المسألة لا تتعلق بالمعاناة كما نتخيل، ما دامت هناك أسر تعليمية يتقاضى فيها الزوج والزوجة من الدولة ما قد يصل إلى 16 ألف درهم، ومع ذلك يشتغلون في القطاع الخاص بجهد لا يقدمونه أبدا في العمومي.لنكن واقعيين، الأستاذ المغربي يتحمل ثلث المسؤولية مما يقع للتعليم المغربي من مآسي، والثلث الآخر للدولة وسياساتها الفاشلة الترقيعية التي لا تصل أبدا إلى عمق المشكل، والثلث المتبقي للأسرة التي لا توفر مناخا صحيا لتعلم أطفالها، ويمكنني أن ألخص لك مسألة الفشل في تعليمنا بكونه لا يحمل أي قيم إنسانية.

بالنظر إلى أنك جُبت مناطق متعددة من العالم، ما هو النموذج الذي استرعى اهتمامك بخصوص طريقة اشتغال الأساتذة؟
سأعطيك نموذجا من عُمق إفريقيا، وبالضبط من كينيا، الدولة الفقيرة التي تعاني كثيرا من المواجهات العرقية، الأستاذ هناك لا يجد حتى ثمن التنقل في سيارات أجرة كالتي نجدها بالمغرب، ويكون مجبرا على التنقل داخل عربات الدراجات النارية المُستخدمة لنقل البضائع، ومع ذلك، يحب عمله حتى النخاع، وهمه الوحيد هو بناء مواطن كيني متشبع بالأخلاقيات الحميدة ومستعد للمساهمة في الحياة الاقتصادية والثقافية. وبفضل جهود الأستاذ الكيني الذي قام كذلك بدفع التلميذ هناك إلى الاعتماد على نفسه، ثم جهود الدولة الكينية التي ألغت مجانية التعليم وحرصت على أن يساهم الجميع في المصاريف العامة ولو بالتكفل فقط بمصاريف تغذية أبناءهم داخل الداخليات، أنا متأكد أن كينيا ستتقدم مستقبلا، وقد تتجاوز حتى المغرب إن بقينا بمثل هذه السياسات.

إن كان هذا حال التعليم الكيني، فكيف تجد حال التعليم ببعض الدول الأوربية المتقدمة؟

من الأمور التي استرعت اهتمامي بأوروبا، وبالتحديد في ألمانيا، هو أن الدولة قررت التدخل لتخريج شباب مؤهل في جميع التخصصات: الأدبية، العلمية، الاقتصادية، وحتى ما يتعلق بالتكوين المهني، كل من لديه موهبة ورغبة في الاشتغال بأي قطاع يريد، يجد الأبواب مفتوحة أمامه، لدرجة أن هناك مدارس لتخريج سائقي سيارات الأجرة وِفق برامج محددة، والجميل في الأمر، أن الفرق في الأجور بين الطبيب وسائق سيارة الأجرة قليل جدا. أما عندنا في المغرب، فالفروقات الاجتماعية مستشرية بشكل كبير، كما أن دولتنا تضع في الأفق، تخريج 5000 قاضي أو مهندس أو طبيب، وتتناسى قطاعات أخرى، فالتلميذ أو الطالب بالمغرب، يجد نفسه مجبرا على اختيار قطاعات لا يفهم فيها أي شيء، فقط لأن الدولة التزمت أن تخلق فيها مناصب شغل.

ألا يمكن للقطاع الخاص بالمغرب أن يساهم قليلا في الخروج من هذه الدوّامة التي تجعلنا في مؤخرة التقارير الدولية الخاصة بالتربية والتعليم؟

نعم يمكن، ولكن الطريقة التي تتم بها إدارة قطاع التعليم الخصوصي، ستزيد من الأزمة ولن تحلها، لأن تشجيع الدولة للاستثمار في هذا القطاع خاصة فيما يتعلق بحذفها للضرائب، جعل "أصحاب الشكارة" ممن كانوا يستثمرون في العقار والمحلات التجارية، يضخون أموالهم من أجل بناء مؤسسات تعليمية تسمح لهم بتحقيق الربح الوفير، فتحوّل التعليم إلى تجارة رغم أن الأصل فيه هو أن يكون منبعا لغرس القيم النبيلة.
لقد اشتغلت في التعليم الخاص المغربي في وقت من الأوقات، وكانت الإدارات التي اشتغلت تحت إمرتها، تطلب مني النفخ في نقاط التلاميذ، خاصة من هم في الثانوي، وعندما رفضت مرارا وتكرارا، تم نقلي إلى التدريس في سلك الإعدادي. أكيد أن هناك جودة في بعض المؤسسات الخاصة، لكن ما يجب الانتباه إليه، هو مساعدة المحيط في المؤسسات الخاصة على هذه الجودة، بالنظر إلى أن التلاميذ يتعلمون من بعضهم في ظل شروط تبدو إلى حد ما معقولة من أجل التلقين، عكس التعليم العمومي الذي يعاني من ظروف لا تخفى على أحد.

أَصِل معك إلى التعليم العالي المغربي الذي يقال عنه إنه أكثر سوءا من التعليم الأساسي، ما هو تقييمك للأستاذ الجامعي؟

متدني جدا، صدقني أنني أريد أن أكون متفائلا، لكن للأسف لا شيء يبعث على التفاؤل، وإن كان الأستاذ في التعليم الأساسي يتحمل الثلث، فالأستاذ الجامعي يتحمل معظم المسؤولية، لأنه أصلا نادرا ما يحضر إلى فصله، والكثير منهم يتغيبون عن لقاء طلبتهم بمبررات أو دونها مع العلم أن عدد ساعات تدريسهم قليلة جدا، ومع العلم كذلك أنهم يتقاضون أجورا عالية تبدأ في الغالب من 15 ألف درهم، زيادة على الغرور الذي تتصف به فئة كبيرة منهم، حيث تعتقد أن مجرد حصولها على شهادة الدكتوراه يعني أنها أحسن من الجميع، وكثيرا ما يتحدث لي الطلبة المغاربة عن معاناتهم مع أستاذ لا يتواصل معهم بالشكل اللائق ويضع نقطهم تحت هواه ورغباته، فليس المهم هو المستوى الفكري للأستاذ، ولكن المهم، هو هل يقوم بعمله على أحسن وجه، وهل يُقدّر طلبته وينمي فيهم بذرة العلم والبحث. وأنا أقترح في هذا الاتجاه، أن يشترك الطلبة في تقييم أساتذتهم، ليس بمنظار التنقيط، ولكن بمنظار أداءهم داخل الفصل، وبهذا ستكون للطالب الفرصة كي يساهم في تٍبيان الأستاذ الجدي من غيره.

كَثُر الجدل حول لغة التدريس بالمغرب، كيف يمكن حل الإشكال اللغوي في ظل ما نعرفه من تشرذم ما بين العربية، الأمازيغية، الفرنسية ولغات أجنبية أخرى؟

ما يثير استغرابي هو رغبة المسؤولين المغاربة في تلقين التلميذ المغربي مجموعة من اللغات رغم صعوبة الأمر، فمنذ سنته الأولى بالمدرسة، على التلميذ أن يَدرس العربية والفرنسية والأمازيغية وأحيانا الإنجليزية، رغم أنه يتواصل في محيطه بالدارجة وفي كثير من الأسر بالأمازيغية، وبالتالي، فهذا التشابك اللغوي يخلق مشكلا لدى التلميذ ويؤدي به إلى عدم استيعاب اللغة كما يجب. أقترح أن يتم الاستغناء الكلي عن الفرنسية، فهي تصير يوما بعد يوما لغة متخلفة عن العصر، وكذلك العربية الفصحى، لأنها لغة غير مغربية و يجب أن تبقى فقط في مادة التربية الإسلامية، في المقابل، يجب جعل الانجليزية لغة التدريس الأساسية منذ الحضانة، والدارجة كلغة ثانية، حتى وإن كان البعض يرى أنها مجرد لهجة، أما الأمازيغية، فيمكن تخصيص مدارس خاصة بها لمن يريد تعلمها. علينا الالتحاق بالركب العالمي وهو ما يتم فقط بالانجليزية ويمكن لك أن تبحث في جميع الإحصائيات العالمية، عن تراجع انتشار الفرنسية مقابل المد الرهيب للإنجليزية. فالتقليل من اللغات في التدريس والاقتصار على لغتين: واحدة عالمية والأخرى وطنية، من شأنه المساهمة في صفاء أذهان التلاميذ.

الكثير من الناس يرمون الجامعة المغربية بأنها مصدر بطالة، دليلهم على ذلك، المحتجين أمام البرلمان من حاملي الشواهد العليا، كيف ترى الأمر؟

للأسف، هذا الكلام صحيح، وسنة بعد أخرى، نتأكد أن الجامعة المغربية مليئة بالأعطاب، كي لا نزيد في تشخيص وضعيتها المعروفة أصلا، فيجب البحث عن حلول كي لا يحس الطالب وهو في طريقه للجامعة أنه يقضي وقته ليس إلا. من هذه الحلول، أقترح أن تصير الجامعة فضاءً للتدريب زيادة على كونها فضاء للتحصيل العلمي، ليس على الطالب أن ينتظر حتى نهاية مشواره الدراسي بها كي يلتحق بالعالم المهني، فمنذ سنته الأولى، يجب دفعه نحو خوض تداريب في القطاع الذي يريد، مثلا لديك طالب يريد أن يكون أستاذا، ليس من الضروري أن ننتظر حتى يجتاز بنجاح مباراة التوظيف، على الجامعة أن تمنحه فرصة التدريب في مؤسسات تعليمية عمومية أو خصوصية بالموازاة مع دراسته، نفس الأمر مع من يريد فتح مشروعه الخاص بإرساله إلى المقاولات، فالتدريب المهني سيساعد كثيرا شبابنا على إنجاح حياتهم المستقبلية.

بحديثك عن ضرورة توفير الجامعة للتدريب، هل تضع مسؤولية التشغيل على عاتق الدولة؟

أبدا، التدريب لا يعني توفير الشغل بشكل أوتوماتيكي، يجب أن نتوقف على انتظار التشغيل من الدولة، خاصة فيما يتعلق بالتوظيف المباشر، فالدولة الحديثة، ليس من مسؤولياتها إيجاد عمل للمواطنين، لكن للأسف، ثقافتنا الاجتماعية، ومنظومتنا التعليمية، شجعتا الطالب منذ صغره على انتظار عمل من الدولة، وإلا فهو لم يقم بإنجاز في حياته. المطلوب الآن هو تشجيع التلاميذ في المدرسة على روح الخلق والابتكار وإبداع حلول جديدة، والمطلوب كذلك، هو أن يتم فتح مصلحة داخل الجامعات، تساهم في ولوج الطالب إلى ميدان الشغل، فمن غير المعقول، أن يتم حصر الجامعة في تقديم الشهادات الدراسية وكفى، عليها أن تكون في قلب الاقتصاد المغربي، وأن تخرج من طابعها الأكاديمي الصرف.

هسبريس

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | |