الجمعة، 27 يونيو، 2014

كيف يمكن توظيف البيداغوجيا الفارقية في الفصول الدراسية؟

بواسطة : tifawt بتاريخ : الجمعة, يونيو 27, 2014
يمكن تعريف البيداغوجيا الفارقية بكونها مقاربة تربوية تكون فيها الأنشطة التعليمية وإيقاعاتها مبنية على أساس الفروق والاختلافات التي قد يبرزها المتعلمون في وضعية التعلم ، وقد تكون هذه الفروق معرفية أو وجدانية أو سوسيوثقافية ، وبذلك فهي بيداغوجيا تشكل إطارا تربويا مرنا وقابلا للتغيير حسب خصوصيات المتعلمين والمتعلمات ومواصفاتهم .

الأصول النظرية للبيداغوجيا الفارقية

 ترتبط البيداغوجيا الفارقية بالمدارس التقليدية (الكُتَاب) ، حيث يتألف الفصل من تلاميذ يختلفون في المراحل العمرية و المستويات التعليمية ، و يوظف فيها المعلم أساليب تقليدية تكيف التعليم مع خصوصية كل مرحلة عمرية أو دراسية . إلا أن إرساء الدعائم النظرية للبيداغوجيا الفارقية ارتبط بالقرن العشرين ، فقد وظف هذا المفهوم من طرف لوكران louis legrand في السبعينيات خلال تقديم مشروعه إلى وزارة التربية الفرنسية لحل معضلة الفشل الدراسي ، و عموما يمكن تلخيص أهم الأصول النظرية للبيداغوجيا الفارقية فيما يلي :

 1 – علم النفس البنائي خاصة مع جان بياجي ، و الذي قسم عملية نمو الطفل إلى عدة مراحل تبين أن القدرات الذهنية للطفل تبنى تدريجيا و بشكل كامن ، بل قد ترتد إلى الوراء ، لأن التطور لا يكون بشكل كرنولوجي حسب السنوات ، و إنما حسب وتيرة الطفل و إيقاعه الخاص ، و تبعا لمتغير داخلي (تطوره الذاتي ، إدراكه لذاته) و متغير خارجي ( السياق الاجتماعي المحيط به ) . مما يعني ضمنيا أن الفئة العمرية أو السن الذي يعتمد حاليا كمعيار لتوزيع التلاميذ ، لا يمكن أن يعتمد كمنطلق لتنظيم الفصول الدراسية ، و لا يخول بشكل كاف الإجابة عن الحاجيات الخاصة للتلاميذ.

 2- بيداغوجية التمكن ، التي ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية ، و التي تروم جعل التلاميذ يتفوقون في تحصيلهم الدراسي بمراعاة خصوصياتهم و فروقاتهم الفردية ، و تعمل على بلوغ جميع التلاميذ الأهداف النهائية ، بتصحيح التباينات الموجودة بينهم على مستويات عدة .

 3- البيداغوجيات الجديدة التي جعلت الطفل مركز العملية التعليمية التعلمية ، و استحضرت رغباته و خصوصياته, مثل بيداغوجية فريني freinet (البيداغوجيا المؤسساتية) و التي أقامت مدرسة على أساس فارقي و على أساس مفهوم التعبير الحر للأطفال ( حرية اختيار النصوص, الرسوم, جريدة الفصل … )

أسس البيداغوجية الفارقية

 تنطلق البيداغوجيا الفارقية من مبدأ وجود فروق فردية بين المتعلمين ، يمكن تلخيصها في الآتي :
- فوارق معرفية في درجة اكتساب المعارف المفروضة من لدن المؤسسة ، و إغناء مساراتهم العقلية . و تتحكم هذه الفروق في تمثلاتهم و مراحل نموهم العملي و طرق تفكيرهم ، واستراتيجيات التعلم لديهم .

 - فوارق سوسيو- ثقافية : و تشمل القيم ، المعتقدات ، تاريخ الأسر ، اللغة ، أنماط التنشئة الاجتماعية ، المستوى المعيشي و الخصوصيات الثقافية. 

 - فوارق سيكولوجية : تتحكم شخصية التلميذ بشكل كبير في دافعيته ، إرادته ، انتباهه و اهتماماته ، قدراته الإبداعية ، فضوله ، أهوائه ، توازنه و إيقاعاته في التعلم . وما دام للتلاميذ مستوى عيش و شخصية مختلفة , فإنه من المفروض أن تكون بينهم فوارق سيكولوجية ( 1991 p.10Halina Przesmyky) . 

خصائص البيداغوجيا الفارقية :

 باعتبارها بيداغوجيا تعتمد على مبدأ التنوع و المرونة في التعليم ، تتميز البيداغوجيا الفارقية بما يلي:
  1.  التفريق بين المتعلمين : بمعنى الفصل والتمييز بينهم ، لتبيان أوجه الخلاف بينهم .
  2.  بيداغوجيا علمية عملية : تنطلق من تشخيص لواقع معين بأساليب وأدوات علمية دقيقة كالروائز ومختلف الاختبارات…لتحديد أسلوب التدخل المناسب،من خلال دعم علاجي موجه بدقة .
  3. بيداغوجية فردانية : تعترف للمتعلم بشخصيته وتمثلاته وتصوراته .
  4.  بيداغوجيا متنوعة : تقترح مجموعة من المسارات التعليمية ، تراعي قدرات المتعلمين ، و تستحضر ذكاءاتهم.
  5.  بيداغوجيا تتبع : مسايرة عمل المتعلم من خلال تقديم التغذية الراجعة المناسبة.
  6. بيداغوجيا تنويعية : وهي التي تستعمل فيها طرائق وتقنيات مختلفة .
  7. بيداغوجيا متعددة المداخل : وهي المقاربة التي يقدم فيها نفس الدرس ، ويحقق نفس الهدف التربوي باستعمال تقنيات مختلفة بكيفية متزامنة .
  8.  تنطلق مــن الخصوصيات المحلية والبيئية .

 توظيف البيداغوجيا الفارقية في الفصول الدراسية

مستويات التفريق البيداغوجي

 إن المدرس حسب البيداغوجيا الفارقية ، مدعو لتنويع المحتويات و الطرائق و الوسائل ، حتى يكيف عملية التعلم مع حاجيات المتعلمين و فروقهم الفردية ، و ذلك على المستويات التالية :
 التفريق في المحتويات المعرفية : تستلزم البيداغوجيا الفارقية تنويع محتويات التعلم داخل الصف الواحد لتكييفها مع القدرة الاستيعابية للمتعلمين وإيقاعهم التعلمي ، من أجل اكتساب الكفايات الأساس . فمثلا إذا لاحظ المدرس أن نصا قرائيا من نصوص المقرر يتسم بنوع من الصعوبة ، يمكن أن يستثمره في الدرس فقط بالنسبة للمتفوقين ، بينما ينتقي نصا قرائيا أكثر بساطة بالنسبة للتلاميذ المتعثرين ، على أن تكون الأهداف موحدة . وإذا لاحظ المدرس أن فئة من التلاميذ لم تستوعب موضوعا دراسيا معينا بما فيه الكفاية ، يمكن في هذه الحالة أن يتناول معها فقط عناصره الأساس ، بينما يتناول عناصر الدرس كلها مع المتفوقين . و يمكن مثلا أن يقترح على فريق من التلاميذ إنجاز تمارين بسيطة في مكون النحو مثلا ، في حين يقترح على البعض الآخر إنجاز تمارين أكثر تعقيدا . ونشير في هذا السياق إلى أن المدرس لا ينبغي أن يتعامل مع الكتاب المدرسي ككتاب مقدس ، بل يمكن أن يتصرف فيه بالإضافة و التعديل و الإثراء ، و يغير في محتوياته بحيث تستجيب لحاجيات المتعلمين ، وتنسجم والكفايات الدراسية المنشودة. 

 التفريق عن طريق الأدوات و الوسائل التعليمية : تكتسي الوسائل التعليمية أهمية خاصة في العملية التعليمية التعلمية لما لها من دور فعال في تقريب المعاني من أذهان المتعلمين ، و مساعدهم على التمثل و الاستيعاب . و إضفاء طابع التشويق على التعلم . و المدرس حسب البيداغوجيا الفارقية ، مطالب بتنويع الوسائل التعليمية لتنسجم مع الأنماط المختلفة للتعلم ، لأن المتعلمين لا يستوعبون الدروس بالكيفية نفسها ؛ فهناك من يستوعب الدرس عن طريق الوسائل اللفظية كالشروح النظرية المعتمدة على الخطاب اللفظي ،ومنهم من يتعلم عن طريق الإدراك البصري ( كالرسوم التوضيحية و الرسوم البيانية و الخرائط و المطبوعات) ، ومنهم من يتعلم بشكل أفضل عن طريق الممارسة الحسية ( إنجاز تجارب – القيام بزيارات ميدانية – الحركات). فتنويع الوسائل التعليمية في الفعل التعليمي تبعا لخصوصيات المتعلمين ، من شأنه أن يرفع من مستوى أدائهم ، ويحسن مستوى تحصيلهم الدراسي .

 التفريق على مستوى تنظيم العمل المدرسي : يقتضي العمل التربوي الفارقي إعادة تنظيم الفصل الدراسي ؛ فتارة يتم الاشتغال مع القسم كله لبلوغ الأهداف التربوية نفسها ، و قد يشتغل المدرس مع مجموعة كبيرة، ويمكن أن يتجه إلى مجموعة صغيرة، أو حتى إلى العمل الفردي ، إذا اقتضى الأمر ذلك .

 التفريق على مستوى التدبير الزمني : إن المتعلمين لا يتعلمون في المدة الزمنية نفسها، أي على الوتيرة نفسها، فكل واحد منهم يحتاج إلى وقت معين لاستيعاب المعارف الجديدة ، وذلك وفق مكوناته ومكتسباته و مؤهلاته ، مما يحتم على المدرس توزيع الوقت اليومي و الأسبوعي بشكل مرن و متناغم مع مشروعه البيداغوجي ، وعليه أن يضحي بجانب كبير من المحتويات الدراسية لتحقيق الكفايات المنشودة ، لأن المتعلمين مطالبين باكتساب الكفايات اللازمة ، و الوقت لا يجب أن يكون عرقلة في هذا الاتجاه .

 ب- شروط تطبيق البيداغوجيا الفارقية:

 إن تفعيل البيداغوجيا الفارقية واستنباتها في الحقل التربوي ليس عملية بسيطة الإنجاز، بل يستلزم ما يأتي:
  1.  محاربة ظاهرة الاكتظاظ التي تتنافى مع مقتضيات البيداغوجيا الفارقية . 
  2.  وضع استعمالات زمنية تتسم بنوع من المرونة بحيث تتلاءم مع هذه البيداغوجيا ؛ لأن جداول التوقيت التقليدية تقف حاجزا أمام تطبيقها ، إذ تعرقل التعلمات وتحصرها في وقت محدد . وهذا لا ينسجم وهذه المقاربة التي تدعو إلى تخصيص مزيد من الوقت للمتعثرين لتمكينهم من اكتساب الكفايات الأساس . 
  3. توفير الوسائل الديداكتيكية الضرورية، والحجرات الدراسية اللازمة. 
  4.  تمتيع المدرس بقدر مناسب من الحرية و الاستقلالية بشكل يسمح له بالاجتهاد في الإعداد للدرس و التخطيط له ، و يسعفه على أداء مهمته على الوجه المطلوب ، و تخفيض عدد ساعات التدريس في الأسبوع بالنسبة إليه ، لأن بيداغوجيا التفريد تستدعي تفرغا كبيرا للمدرس . 
  5.  إعادة النظر في التكوين الأساس و المستمر للمدرس بحيث يصبح منشطا و موجها لا ناقلا للمعلومات .
  6.  التقليص من كثافة المقررات الدراسية حتى يتمكن المدرس من تكييف العملية التعليمية التعلمية مع القدرات الاستيعابية للمتعلمين ووثيرة تعلمهم . 
  7.  الاستعانة بتكنولوجيا التعليم و استخدام الأجهزة الذكية و الموارد الرقمية .

 طرق التفريق البيداغوجي

 تختلف طرق تطبيق البيداغوجيا الفارقية تبعا لعدة متغيرات ، و عموما يمكن اعتماد ثلاثة أساليب في التفريق :

 1 - فارقية مسارات التعلم: يوزع التلاميذ على عدة مجموعات تعمل كل واحدة منها ، في آن واحد ، على نفس الهدف أو الأهداف وفق مسارات مختلفة تحدد عبر التحليل المسبق و الدقيق ، لعدم تجانس المتعلمين .

 2- فارقية مضامين التعلم: يوزع التلاميذ إلى عدة مجموعات تعمل كل واحدة منها في آن واحد على مضامين مختلفة يتم تحديدها في صيغة أهداف معرفية ، منهجية أو سوسيو –وجدانية . و تحصر هذه الأهداف فيما بعد بواسطة تشخيص أولي يكشف عدم التجانس فيما يخص النجاح و العراقيل التي تعترضه .

 3 – فارقية البنيات: يوزع التلاميذ إلى عدة مجموعات في بنيات القسم ، لأنه لا يمكن القيام بفارقية المسارات و المضامين دون تقسيم التلاميذ إلى مجموعات فرعية . لكن هذا الإجراء يؤسس إطارا أجوف و بدون مفعول في نجاح التلاميذ ، إذا لم نعتمد بيداغوجية فارقية…في حين أنه من الأكيد أن مجرد القيام بفارقية البنيات يسمح للتلاميذ بتعرف أنواع أخرى من التجمعات و أماكن أخرى و منشطين آخرين ، مما يولد تفاعلات اجتماعية جديدة تؤدي إلى ردود أفعال بناءة بالنسبة للتعلم المطلوب .

 صعوبات تطبيق البيداغوجية الفارقية.

 تعاني البيداغوجيا الفارقية من عدة عراقيل و صعوبات تحول دون تطبيقها ، أو على الأقل تجعل من هذا التطبيق أمرا صعبا و مرهقا: 
  1.  عدم كفاية التكوين البيداغوجي للمدرسين بشكل يجعلهم جزءاً من كيان كلي تعديلي .
  2.  رسمية ووحدة المسار البيداغوجي المفروض وعدم تلاؤمه مع طموحات التنويع .
  3.  صرامة المعطيات البيداغوجية القديمة وعدم قابليتها للمراجعة ، خصوصا على مستوى الممارسة . 
  4.  إشكالية الامتحان وما يفرضه من ضرورة حضور تقويمات تعتمد على القياس والتصنيف تبعاً لمعايير ومرجعيات رسمية جافة لا تراعي اختلاف المستويات الذهنية والمعرفية للتلاميذ . 
  5.  استعمالات الزمن وما تفرضه من ممارسات كلاسيكية سريعة تجعل التعلم ممكناً لذوي الفهم السريع فقط
 رغم صعوبة أجرأة البيداغوجيا الفارقية، و الشروط الكثيرة التي يتطلبها هذا الإجراء ، فإننا نعتقد أنها مقاربة نشيطة وواعدة تستحق أن تبذل لها الجهود المادية و المعنوية ، لما تسهم به من دور فعال في تحسين جودة التعلمات ، و دمقرطة الحياة المدرسية .

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | |