السبت، 28 يونيو، 2014

تقريب مفهوم دينامية الجماعات

بواسطة : tifawt بتاريخ : السبت, يونيو 28, 2014
تتكون عبارة دينامية الجماعات la Dynamique des groups من مفهومين أساسيين وهما : الديناميكية والجماعات.

 1ــ مفهوم الدينامية:

 استعير مفهوم الديناميك ( Dynamique ) من المجال الفيزيائي ، والذي يقصد به في مجال الميكانيكا مختلف العلاقات التي تكون بين القوى و الحركات الناتجة عن هذه الأخيرة ، و يدل المصطلح على القوة و الحركة و الحيوية و نقيضه الثبات و السكون . و تعرف الدينامية في المجال السيكوــ اجتماعي على أنها مجموعة من المثيرات و الاستجابات التي تحدث داخل الجماعة في المواقف المختلفة التي تمر بها. فالفرد إذ يصدر سلوكا معينا داخل جماعته، فإنه يقابَل بالعديد من الاستجابات من باقي الأفراد. و بذلك يحصل تفاعل اجتماعي و نفسي أشبه ما يكون بتفاعل كيماوي.

 و يرى : "كولي" أن هذه القوى المؤثرة في العلاقات على شكل تفاعلات تؤدي إلى تغير يحدث تأثيرا في اتجاهات الجماعة. و يمتد هذا التغيير إلى اتجاهات الأفراد و سماتهم الشخصية و اهتماماتهم و مهاراتهم و غير ذلك خلال عمليات التفاعل الاجتماعي. و يسير "ليفين" نفسه في هذا الاتجاه، إذ يرى أن الجماعة كلٌّ دينامي، و أي تغيير في حالة جزء من هذا الكل يؤدي إلى تغيير حالة الأجزاء الأخرى. و ليس جوهر الجماعة في تشابه الأعضاء أو عدم تشابههم، بل في اعتماد بعضهم على البعض الآخر، و أن درجة الاعتماد المتبادل بين أعضاء الجماعة يتراوح بين التفكك و الوحدة المتماسكة. وعليه، فالدينامية هي نتاج القوى الفردية و الجماعية التي تتفاعل بطريقة حيوية داخل نسق الجماعة بشكل توافقي أو اعتراضي. فمن خلال التفاعل الاجتماعي تحدث مثيرات واستجابات بين أفراد الجماعة كما أوضحنا، وتختلف هذه المثيرات والاستجابات باختلاف المواقف واختلاف الأدوار،إلا أن طبيعة التفاعل تكاد تكون متشابهة في كل الجماعات، وينتج عن التفاعل تقبل أو عدم تقبل، نبذ أو استنكار، تجاهل بين الأفراد، وصداقات ومودة، وتجاوب ونفور، وكراهية...".

 وعليه، فالدينامية هي نتاج القوى الفردية والجماعية التي تتفاعل بطريقة حيوية داخل نسق الجماعة بشكل توافقي أو اعتراضي.

 2ـ مفهوم الجماعة:

 يختلف الباحثون في مجال الدراسات النفسية الاجتماعية في تحديد مفهوم الجماعة باختلاف الأسس التي يقوم عليها وصف الجماعة أو تعريفها. و رغم تعدد التعاريف فإننا سنركز على تعريف واحد يكاد يكون شموليا و هو تعريف "خليل ميخائيل معوض" باعتباره تعريفا يستحضر مجموعة من التعاريف و هو كالتالي:

 " الجماعة وحدة اجتماعية تتكون من ثلاثة أشخاص فأكثر يتم بينهم تفاعل اجتماعي و علاقات اجتماعية و تأثير انفعالي و نشاط متبادل على أساسه تتحدد الأدوار و المكانة الاجتماعية لأفراد الجماعة وفق معايير و قيم الجماعة إشباعا لحاجيات أفرادها و رغباتهم و سعيا لتحقيق أهداف الجماعة دائما". و إجمالا، يمكن القول بأن هناك صفات ينبغي أن تتوفر في الجماعة حتى تكتسب صفة الجماعة منها:
  1.  وحدة الغرض و الأهداف و الترابط بين أفرادها. 
  2.  أن لا يقل أعضاؤها عن ثلاثة أشخاص. 
  3.  أن تهيئ الجماعة لأعضائها الفرص للنمو و إشباع حاجاتهم.
  4.  أن تكون العلاقات مبنية على الود و التعاون. 
  5.  أن يكون هدف الجماعة متفقا مع عادات و تقاليد المجتمع الموجودة فيه. 
  6.  أن تكون للجماعة قيادة مهما كان عدد أفرادها. 
  7.  أن تكون الجماعة على درجة معينة من التنظيم.

 3ـ آثار الجماعة على الأفراد:

 من المعروف أن للجماعة فوائد جمة و ثمارا مرجوة و آثارا كثيرة على الأفراد. و من هذه الآثار الإيجابية نجد أن الجماعة تساعد الفرد على التعلم و التكوين، وتساهم في خلق مجموعة من الصداقات المتينة و العلاقات الحميمية و تعمل على ازدهارها أثناء العمل في فرق أو جماعات، و تبرز بشكل واقعي و صادق مميزات الأفراد المستحسنة و نقائصهم السلبية.

 و تساعد الجماعة الأفراد على تمثل اتجاهات و قيم و معايير واتخاذ مواقف سلوكية، و التعبير عن تجاربهم الشخصية الذاتية و الجماعية و رؤاهم للعالم من خلال الاندماج في حضن الجماعة ، مع اكتساب روح المغامرة و العمل و الكفاح و المثابرة و الطموح. و تساهم الجماعة أيضا في تعديل السلوكيات الفردية و تغييرها، خاصة القيم السلبية المستهجنة كالأنانية و الحقد و التنافس غير المشروع. كما تعمل الجماعة على منح الفرص للأفراد لإظهار كفاءاتهم و قدراتهم الذاتية و ميولاتهم و مواهبهم و إبداعاتهم الشخصية و ابتكاراتهم الفردية. أضف إلى ذلك أن الجماعة تعلم الأفراد التعامل الديمقراطي مع الآخرين، و إظهار المهارات القيادية المرنة و الفعالة و المناسبة خلال العمل و التدريب و التأطير و التكوين، علاوة على الإحساس داخل الجماعة المتوازنة بمشاعر الأمن و الطمأنينة و إشباع الحاجات إلى الانتماء و التحرر من الخوف.

 4ـ أنواع الجماعات:

 الجماعات الصغيرة:

 تتميز بقلة أفرادها و بكونهم يعرفون بعضهم بعضا. و يكونون جماعة لها استمرارية زمنية محدودة و أهداف قريبة المدى. و تكون المجموعة قد تكونت بطريقة مقصودة مثل الفرقة الرياضية.

 الجماعات المتوسطة:

 يكون عددها متوسطا لا يعرف أفرادها بعضهم بعضا بالضرورة، و يشتركون في نفس الهدف، و تكون هذه المجموعة قد تكونت عن قصد و لها استمرارية قريبة المدى. و من أمثلتها الأحزاب السياسية، النقابات، الهيئات الاجتماعية التي تدخل في نفس التعريف. 

الجماعات الكبيرة:

 تتميز بعدد أفرادها الكبير، كما تتميز بكون هؤلاء لا يعرفون بعضهم بالضرورة، و يشتركون في نفس العقائد و القيم و نفس التاريخ كالأمم و الشعوب و الأوطان...

 غير أن أكثر التصنيفات شيوعا هو ما يطرحه أنزيو و مارتن حيث يضعان خمس فئات هي:

  • الحشد: و تشتمل على حجم كبير من الناس يجدون أنفسهم مجتمعين في نفس المكان و من دون هاجس قبلي أو نية مبيتة. 
  • الرهط: و تتكون نتيجة اجتماع أشخاص بشكل إرادي من أجل التلذذ بهذا الاجتماع عبر البحث عن الشبيه. و تتميز بالإتيان بسلوكات مخالفة أو محرمة أو مرفوضة من طرف المجتمع. 
  • التجمع: كالمخيمات و النوادي و الزوايا. 
  • الجماعات الثانوية: أو جماعات تسير وفق تنظيمات قانونية اقتصادية أو سياسية أو غيرها كالمستشفيات و المدارس و الأحزاب. تتسم العلاقات بين أعضائها بالبرودة و الطابع غير الشخصي. إنها علاقات معقلنة و محكومة بقوانين تتغلب فيها التواصلات المكتوبة على الحوار المباشر. 
  •  الجماعات الأولية: أو الضيقة أو الصغرى، و التي تعتبر جماعة الفصل فصيلا منها. و تتميز بتسيير قيام علاقات وجدانية قوية داخلها دون أن تطورها. و يعرف هوماس الجماعة الأولية " على أنها جماعة صغيرة قوامها عدد من الأشخاص يتواصلون بينهم إبان مدة معينة. و يكون عددهم قليلا بحيث يتمكن كل منهم من الاتصال بجميع الأشخاص الآخرين مباشرة بدون واسطة شخص آخر".

 5ـ المفهوم العام لدينامية الجماعات:

 عرف علم النفس الاجتماعي تطورات مهمة مع بداية القرن العشرين خاصة في مراحل الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية التي عرفها العالم (الحروب الكبرى...)، لكن مبحث دينامية الجماعات عرف تطورات كبيرة بفعل النمو و التوسع الذي عرفته الدراسات الأنتربولجية خاصة تلك التي رافقت الاستعمار الجديد.  لكن أهم بحث طور دينامية الجماعات هو ذلك الذي تعلق بالجماعات الضيقة أو المحدودة كجماعة اليهود أو الجماعات الدينية الأخرى و جماعة الأقليات عموما. و يعتبر كورت لوين Kurt Lewin مؤسس دينامية الجماعات. و قد استهل بحثه بجماعة اليهود التي كان ينتمي إليها.

 و يمكن القول أن ضرورة البحث في دينامية الجماعات المحدودة عمل على تطوير دينامية الجماعات.

 1.5: تعريف دينامية الجماعات:

 يمكن اعتبار دينامية الجماعات علما قائما بذاته يختص بدراسة المبادئ و القوى المختلفة المتحكمة في الجماعات و كذلك السيرورة التي تعرفها الجماعة بفضل مختلف التفاعلات. غير أن هذه التفاعلات قد تؤدي إلى تقدم الجماعة و نموها و قد تأخذ شكل صراع و تنافس شديد يؤدي إلى انحدار الجماعة و الحط من مستواها. و قد تتشابه طبيعة التفاعل في كل الجماعات و ينتج عن هذا التفاعل تقبل أو رفض، نبذ أو استنكار، تجاهل بين الأفراد، صداقات و مودة و غيرها. فأسلوب التقبل و النبذ له تأثير قوي على الأفراد أنفسهم و يتأثر حدث الدينامية في الجماعة بعدة عوامل أهمها:
  •  شخصية الفرد: ذلك أن الجماعة تزدهر وتنمو عندما يتوفر لديها أفراد إيجابيون متعاونون ذوو آراء شخصية بناءة ومقترحات سليمة، والقدرة على تنفيذ المقترحات والمخططات. بينما تنحدر الجماعة إذا كثر فيها الأعضاء المغررون ذووا الآراء المتصلبة والمعارضون السلبيون الذين يعارضون كل تقدم، وذووا الاتجاهات التيوقراطية الذين يميلون للسيطرة. 
  •  ثقافة الأفراد وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية. 
  •  الظروف الأسرية، تحمل المسؤولية، التبعية، الاتكالية، ضعف الثقة بالنفس. 
  • التجارب الاجتماعية والخبرات السابقة. 
  • التنافس على القيادة.

 2.5 ــ مرتكزات دينامية الجماعات:

 تستند دينامية الجماعات إلى عدة مرتكزات إبستمولوجية يمكن حصرها في أبحاث االفلاسفة والسوسيولوجيين الأوروبيين الذين اهتموا بالجماعة و أرسوا أسس دينامية الجماعات كما عند إميل دوركايم، و شارل فوريي، و جان بول سارتر، و فرناند طونس، و سمالينباش، و جورج ميد، و شارل كولي... كما كانت السوسيوميترية Sociométrie التي وضعها جاكوب لفي
مورينو(1889-1971م) سنة 1959م من الآليات الإجرائية لفهم الجماعات و تفسير تفاعلاتها البنيوية الوظيفية دون أن ننسى تقنيتي السوسيوغرام والسيكودراما اللتين استعان بهما مورينو لمداواة مرضاه المنعزلين وتحليلهم نفسانيا و اجتماعيا ، و تنشيط الجماعات عبر استكناه قواها الاندماجية و العلاجية و استقراء تفاعلاتها الذاتية و الموضوعية.

 كما استفادت دينامية الجماعات من أبحاث الطب النفسي و من تحليلات سيغموند فرويد النفسية التي ركزت على الجماعة و خاصة في كتبه:"الطوطم والطابو"(1913) ، و" موسى والتوحيد" (1913م) و"علم نفس الحشود وتحليل الأنا" (1921م)، فضلا عن أعمال بيون، وديديي، وأنزيو Anzieu ، وفولكس . زد على ذلك استفادة دينامية الجماعات من النظريات المعرفية في إطار علم النفس المعرفي منذ الستينيات من القرن العشرين ، والانطلاق من نتائج البيداغوجيا المؤسساتية مع جورج لاباساد ، والاستفادة من نتائج النظرية اللاتوجيهية مع كارل روجرز Karl Rogers.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | |