الأربعاء، 25 يونيو، 2014

من المعارف المدرسية إلى الكفايات

بواسطة : tifawt بتاريخ : الأربعاء, يونيو 25, 2014
النجاح في المدرسة ليس هدفا في حد ذاته, أكيد، أن أي تعلم يهيء للمسار الدراسي المقبل, لكن في آخر الأمر، ومبدئيا، المتعلم عليه أن يكون قادرا على تعبئة واستخدام مكتسباته المدرسية خارج المدرسة، وفي وضعيات/مواقف متنوعة ومعقدة، وغير مرئية/منتظرة.
الاهتمام بإعادة استثمار المكتسبات المدرسية يلبي الحاجة إلى نجاعة وفعالية التعليم، وإلى تلاؤم أكثر بين التعلمات المدرسية ووضعيات/مواقف الحياة، سواء في العمل أو خارج العمل. اليوم، هذا الاهتمام يعبر عن نفسه فيما نسميه: إشكالية تحويل المعارف وبناء الكفايات، هذان التعبيران لايعوض أحدهما الآخر، ولكن يشير كل واحد منهما الى وجه واحد من الإشكالية:
  • لكي تكون المعارف المدرسية نافعة يجب أن تكون قابلة للتحويل
  • لكن هذا التحويل لايتطلب، فقط، التحكم في المعارف، بل يجب أن يمر عبر دمج هذه المعارف عبر كفايات التفكير، واتخاذ القرار، والفعل، حسب الوضعيات المعقدة التي يجد الفرد نفسه فيها

كل هذا، يتهيأ لنا بأنه يتحقق تلقائيا، لكن عملية التمدرس هي عبارة عن مسيرة طويلة، وتشغل مرحلة مهمة من تاريخ حياة الفرد، حيث تدوم من 2 و 4 سنوات الى 16 أو 25 سنة، حسب هذه الدراسة.
عندما تكون مسألة "الدخول في الحياة العملية" بعيدة جدا، يكون من الصعب التعرف على الهدف النهائي، وخاصة خلال مرحلة التمدرس الاجباري، الذي مهمته هي اعطاء ثقافة عامة بغض النظر عن أي مستقبل مهني محدد، وحينما نعود باستمرار، وبتعابير تتغير من عصر إلى آخر، الى مشكلة تحويل المعارف وبناء الكفايات، فلأن هذه المشكلة لم تحل دائما بكيفية عملية.

المدرسة تطور، قطعا، كفاية معينة: تهيء أحسن تلاميذتها لتعبئة المعارف خلال وضعية التمارين المدرسية أو خلال الامتحان، بمعنى، خلال نوع محدد من السياقات، وهذا يمكنه أن يقنع أغلب الفاعلين: المدرسون ينجزون مقرراتهم، والتلاميذ يأخذون الحق في متابعة دراستهم، والتساؤل حول ما يتبقى (من المكتسبات المدرسية) لاحقا خارج الحياة المدرسية، ليس بالضرورة سؤالا مهما وحاسما في حياة المدرسين والمتعلمين، وبتعبير آخر، إنه سؤال مزعج ومعيق، المدرسة لم تحاول قط أن تواجه هذا التساؤل والوعي بحدود تحويل المعارف المدرسية، والاعتراف بأن التلاميذ الذين ينجحون في القسم ليسوا بالضرورة، قادرين على تعبئة نفس المعارف في وضعيات أخرى.

حول الكفايات

قبل أن يحاول فليب بيرنوا اقتراح تعريفه للكفايات، يناقش ثلاث مقاربات للكفايات، يعتبرها مقبولة، غير أنها لاتأتي بشيء ذي أهمية كبيرة بالنسبة للكفايات, حيث هناك مقاربة الكفايات كهدف، أو كإنجاز كامن، أو كمعرفة التصرف/حسن التصرف (savoir faire) ويعتبر بأن هذه المقاربات مشروعة، ولكنها أقل فعالية:
  1.  في بعض الأحيان نتكلم عن الكفايات، فقط، من أجل الإلحاح على التعبير على أهداف التعليم من خلال سلوكات قابلة للملاحظة، هنا نعيد الصلة مع "تقليد" عمَّر الآن 30 سنة! وهو تقليد بيداغوجيا التحكم، أو مختلف أشكال بيداغوجيا الأهداف، التي لن نتجاوزها بعد، إلا عندما نتجاوز تعسفاتها وانحرافاتها المعروفة: السلوكية الاختزالية، الصنافات اللانهائية، التجزيء المبالغ فيه للأهداف، تنظيم التعليم هدف بهدف .. وبمعرفتنا لهذه الحدود، لايمكن لنا اليوم أن نجرأ على التدريس، بدون الاعتماد على أهداف واضحة ومفهومة بالنسبة للمتعلمين، وبدون تقييم مستمر، بمشاركة المتعلمين، لمستوى التحقق/الإنجاز وذلك من أجل أهداف الضبط (التقييم التكويني) .. ويمكننا، بشكل تام، أن ندرس ونقيم بواسطة الأهداف دون الانشغال بتحويل المعارف، وبدرجة أقل بتعبئتها، من بين موارد أخرى، وذلك أمام وضعيات معقدة, تمثل الكفاية كهدف تعلمي بسيط، يجعل المهمة مضببة وغير واضحة، وتوحي لنا، بكيفية خاطئة بأن أي تعلم مدرسي قابل للتحقق هو كفاية.
  2. مفهوم الكفاية يمكنه أن يتقابل مع مفهوم الإنجاز (Performance): الإنجاز الملاحظ يمكنه أن يكون مؤشرا، أقل أوأكثر دلالة،على الكفاية، التي من المفترض أن تكون قارة، ولكنها غير قابلة للقياس إلا بكيفية غير مباشرة. في هذا السياق، الكفاية هي وعد بإنجاز مستوى متوسط معين، هذه المقاربة نجدها متطورة في اللسانيات والقياس النفسي.
  3. الكفاية هي دائما مرادفة لمعرفة التصرف، هذا الاستعمال له مشروعيته، لكنه يضع في نفس المجموعة معرفة التصرف الأكثر نوعية وخصوصية - كمعرفة فتح علبة مصبرات - وتلك الأكثر تركيبا وتعقيدا، مثلا،ربح انتخابات معينة.
بعد هذه المناقشة للمقاربات السالفة لمفهوم الكفاية، يقترح ف: بيرنو أن نخصص مفهوم الكفايات لمعرفة التصرف من مستوى عال، حيث تتطلب دمج عدد من الموارد المعرفية خلال عملية معالجة وضعيات معقدة، وهذا يوحي بإمكانية تفتيت الكفايات الى عناصر أكثر خصوصية (éléments de compétence) حسب التيرمولوجيا الكندية، أو إلى قدرات حسب مقاربات أخرى. وكيف ما كان الاسم، نعرف بأن مجموع هذه العناصر لايعادل الكفاية الكلية, كما هو دائما في المنظومات الحية، الكل هو أكبر من مجموع الأجزاء لأنه يشكل نسقا، كما يقول طارديفال (Tardif), وكقدرة علي معالجة فئة من المشكلات، أو مجموعة من الوضعيات لها نفس البنية تتطلب قرارات وأفعالا من نفس النوع، فإن الكفاية تستدعي الخطاطة البياجوية (نسبة الى بياجي)، وبنية قارة للفعل، حيث تمكن من أجل حد أدنى من الملاءمة، من مجابهة مختلف الوضعيات المشابهة, الفرق هو أن الخطاطة هي عبارة عن تشكيل لمجموع ما يستدعي حركة واحدة وعملية ذهنية واحدة، في حين الكفاية تستمر من أجل مهمة أكثر تعقيدا، وتعبئ موارد معرفية متعددة ومتنوعة: خطاطات الإدراك، التفسير، الفعل، الحدوس، تخمينات، أراء، قيم، تمثلات بنائية للواقع، معارف.. الكل يندمج في استراتيجية حل المشاكل خلال التطبيق، الخطاطة الجيدة.

تمكن مجابهة بعض الوضعيات المعقدة، ونفس الشيء بالنسبة لكفاية أولية (élémentaire)، لكن ولأن هذه الأخيرة، مبدئيا، قد تكونت عبر سلسلة من الاستدلالات الواضحة، ومن القرارات الواعية، فإنها تصبح تدريجيا آلية (automatisée) أمام خطاطة جديدة قمينة بأن توظف كـ "لا شعور علمي" inconscient pratique الذي تحدث عنه بياجي، أو كـ "معارف في طور الفعل" (savoires en acte) كما يقول فيرنيو (vergnaud).
وفيما يخص علاقة المعارف بالكفايات، يقول ف. بيرنو بأنه يجب أن نبتعد عن الفكرة الخاطئة التي تقول: لكي نطور الكفايات يجب أن نهجر الاعتماد على المعارف• وبما أن هذه الأخيرة، وحسب المعنى الكلاسيكي، هي عبارة عن تمثلات منظمة للواقع، أو كأفعال على الواقع، فانها المعارف) تصبح موردا جوهريا وأساسيا في عملية بناء الكفاية...
محمد الصدوقي

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | |