الخميس، 26 يونيو، 2014

ماهي وظيفة التلفزيون في المجتمع العربي ؟

بواسطة : tifawt بتاريخ : الخميس, يونيو 26, 2014
من البدا هات الحالية القول بان الإعلام- بما فيه التلفزيوني-أصبح يلعب دورا رياديا وخطيرا في حضارتنا الانسانيةالمعاصرة؛ حيث إن الإعلام"أصبح أكثر من أي وقت مضى ذا قيمة استراتيجية، ليس فقط من أجل تنشيط المبادرات والنقاشات في الفضاء الاجتماعي، بل أيضا من أجل تحديث المجتمعات وزيادة فعاليتها الاقتصادية. فتقنيات الاتصال نفسها تساهم اليوم بقوة في تجديد تقنياتنا الثقافية والعقلية..." فهل التلفزيون العربي ينخرط بالفعل في بلورة وتفعيل هذه المهام والوظائف الإعلامية السالفة، من أجل بناء وتكريس مشروع مجتمعي تنموي وحداثي، وذلك بالانتقال بالتلفزيون من ثقافة الفرجة التضبيعية وتكريس الأوضاع السلبية والمتخلفة القائمة، إلى ثقافة إعلامية تنويرية وإنتاجية تساهم في رقي وتقدم الفرد والمجتمع العربيين بشكل عام؟وماهي الوظائف المجتمعية، الكائنة والممكنة للتلفزيون العربي؟

 موضوعيا من الصعب الحديث عن"التلفزيون"و"العربي" بصيغة الجمع، وعن نظام إعلامي عربي موحد"إلا إذا قبلنا تجاوزات عديدة واستثناءات شتى" ، رغم ذلك سنحاول الإجابة عن الأسئلة السالفة من خلال مقاربتنا لبعض وظائف التلفزة في المجتمع العربي من خلال أربعة وظائف أساسية على الأقل:
  1. الوظيفة الترفيهية،
  2.  والوظيفة الإخبارية،
  3.  والوظيفةالاشهارية،
  4.  والوظيفة الإيديولوجية والسياسية.

 الوظيفة الترفيهية للتلفزيون العربي

 من بين الأسباب الرئيسية لاستقطاب التلفزيون لأعداد كثيرة من المتلقين، تقديمه لخدمات الترفيه الممركزة حول التسلية والمتعة والتشويق والإثارة...حيث يجد المتلقي/المشاهد ضالته في الاستراحة من جدية أو هزلية الحياة اليومية الخاصة والعامة. وعليه فإن المشرفين على خريطة وهندسة البرمجة التلفزيونية يجتهدون ويتفننون في توفير هذه الخدمات بكثرة، ولو اضطر الأمر إلى شرائها بأموال باهضة. المهم هو استقطاب أكبر عدد ممكن من المشاهدين لتحقيق غايات معينة، قد تكون ذات طبيعة تجارية أو إيديولوجية، كما سنرى لاحقا.وهكذا يجد المشاهد العربي نفسه أمام أطنان وأكوام من البرامج الغنائية والرياضية والمسابقات والأفلام والمسلسلات.

نعم قد يخلق هذا النوع من البرامج بعض الترفيه والتسلية،ولكن بأي ثمن سيكولوجي ومعرفي وقيمي وحضاري؟حيث يمكننا القول بأن جل هذه البرامج الترفيهية تكرس وتحدث لدى المشاهد العربي تمثلات وتوجهات سلوكية سلبية، نظرا لطغيان مرجعياتها الأجنبية الاستلابية، والإيديولوجية التسطيحية والتضبيعية، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:
  •  تكريس العقلية والعلاقات الاستهلاكية والاستلابية، وتعويض القيمة الإنسانية للفرد بالقيم "التبضيعية" والتشييئية(سلعنة وتشييء الإنسان حسب نموذج الرأسمالية المتوحشة)
  •  تكريس النزعة الفردية والعصبية والشوفينية على حساب النزعات الجماعية والوطنية والقومية. 
  • تكريس وإثارة الأبعاد الغريزية والإيروسية لدى الفرد(الجنسية أساسا بأشكالها القيمية السلبية)
  •  تكريس ثقافة العنف والقوة ومنطق الغاب.
  •  تكريس الفكر الخرافي والأسطوري والعامي في أشكال معاصرة، وعلى حساب الفكر العلمي والعقلاني المتنور.
  •  تكريس مرجعية ثقافية وقيمية أحادية(الغربية أساسا، بالإضافة إلى النمط النخبوي السائد) 
  •  تكريس الانبهارية والتبعية للآخر الأقوى والسائد، وإنتاج شخصية مستلبة وفضامية دون هوية محددة ودون استقلالية ذاتية وناضجة وفعالة. 

  الوظيفة الإخبارية للتلفزيون العربي

 الإخبار من بين الوظائف التقليدية للتلفزيون؛ الإخبار بالمستجدات والأحداث الوطنية والإقليمية والدولية.غير انه من الملاحظ عربيا،أن جل هذه الأخبار، على المستوى الوطني، يتمركز حول الأخبار الرسمية للدولة الحاكمة والدعاية المبالغة لها،وأحيانا بشكل مضخم، وممل أحيانا أخرى. ويتم في الغالب إغفال أنشطة وأحداث المجتمع المدني أو السياسي المعارض والمخالف للتوجهات الرسمية على الخصوص.

أما على مستوى الأخبار الدولية، فإن معظم هذه الأخبار تنقل عن مرجعيات غربية خاصة؛ وكما هو معروف، فإن هذه المرجعيات تتحكم فيها وكالات الأخبار الغربية، والتي تكيف وتخرج وتنشر الأخبار المتلفزة أو المكتوبة حسب المصالح الحيوية والاستراتيجية للدول الغربية وحلفائها(مثلا، لنلاحظ كيف يتم تقديمها للأخبار المتعلقة بالشرق الأوسط).والملاحظ كذلك بان المنهجية المعتمدة في تقديم الأخبار الدولية من طرف التلفزيون العربي يطغى عليها الطابع ألاستنساخي والتقريري،دون إعمال للمقاربات التحليلية النقدية والمقارنة في التعامل مع هذه الأخبار،من أجل إغناء وتصفية المعلومات الإخبارية وفق معايير المصداقية والموضوعية والحقيقة.

وبالطبع هناك بعض الاستثناءات الإيجابية التي تتعامل مع الأخبار وفق الأخلاقيات الصحافية المعروفة، ويكفي أن نشير إلى التجربة الإعلامية الرائدة لقناة الجزيرة، كنموذج لإعلام موضوعي وحر.

الوظيفة الإشهارية للتلفزيون العربي

 كما هو معروف يهدف الإشهار التلفزيوني إلى تعريف الجمهور العريض ببعض السلع والمنتجات الاستهلاكية.ويمكننا أن نقول بان اغلب الوصلات الإشهارية تقدم في قوالب نفسية لا شعورية وغريزية،لا يهمها في ذلك لا ثقافة المتلقي العربي، ولا شخصيته الإنسانية، ولا خصوصياته الأسرية...حيث تطغى على جل الوصلات الإشهارية تيمة الإغراءات الجنسية المشروطة بطريقة"بافلوفية" بالإنتاج موضوع الإشهار، وقد تكون في بعض الأحيان بطريقة تششيئية سافرة؛ إذ تصبح المرأة، أو يصبح الرجل، أو الأطفال أحيانا، مجرد"أشياء"غريزية وحيوانات استهلاكية، تكسب قيمتها الشخصية، وتحصل على أحلامها وعلى موضوع رغبتها، انطلاقا من السلعة التي يجب عليها اقتناءها؛ والتالي، فإن أغلب هذه الوصلات الاشهارية تقدم قيم ثقافية سلبية، تكرس الحيوانية والتبعية والاستيلاب الاستهلاكي.

كما أن الإشهار في تلفزيوناتنا العربية،لا تقتصر على إشهار السلع المادية،بل تغرقنا كذلك في وصلات إشهارية" للسلع الرمزية والسياسية" للأنظمة الحاكمة...

الوظيفة الإيديولوجية والسياسية للتلفزيون العربي

 يمكننا أن نجازف ونقول بأن التلفزيون العربي،وخصوصا الرسمي، تكاد تهيمن عليه الوظيفة الإيديو-سياسية على مضامين جل المنتجات التلفزية والإعلامية؛ إذ" تتشابه السياسات الاتصالية الفعلية في الأقطار العربية، من حيث سعيها إلى دمج الإعلام في مؤسسات رموز السلطة وتوظيف الإعلام سياسيا ودعائيا...على حساب وظائف الإعلام الأخرى"(محمد شومان).

وربما هذا ما يفسر الاحتكار المستمر للتلفزيون الرسمي من طرف الأنظمة القائمة، وجعله مجرد مؤسسة حكومية محتكرة و تابعة للدولة الحاكمة، وعدم السماح بتعددية تلفزية، وبدمقرطة التلفزيون؛ بحيث نلاحظ غياب أو تغييبا شبه مطلق للمعارضات السياسية والأصوات المخالفة للسياسات الرسمية، إن لم نقل منعها مطلقا من الظهور على شاشات التلفزيون(ونحن نقصد بالمعارضة المواطنة والغيورة على مصالح الوطن، لا المعارضة الانتهازية العميلة والخائنة لبلدها). إن واقع التلفزيون العربي الذي يكرس ثقافة الطابوهات والمنع والتضليل وقمع الحريات والتعددية، تجعل المشاهد العربي في وضعية سلبية تدفع به إلى" الهجرة البصرية" وإلى "لجوء بصري" نحو قنوات تلفزية خارجية أو أجنبية طلبا للحقيقة وللحرية، ولتثقيف إعلامي أكثر استقلالية وفائدة.

 ولتجاوز سلبيات وظائف المشهد التلفزي العربي، نقترح بعض المبادئ والتوجهات التي يمكن تفعيلها من اجل من أجل استراتيجية نهضوية وديمقراطية للوظائف الإعلامية للتلفزيون:
  •  سياسيا: جعل التلفزيون يساهم في تكريس ونشر وعي سياسي حداثي، وذلك بترسيخ قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان و حقوق المواطنة، وحرية التعبير، والحق في الاختلاف في إطار قيم الوحدة الوطنية والقومية والإنسانية...وغيرها من القيم السياسية الإيجابية. 
  •  ثقافيا: جعل التلفزيون يساهم في نشر ثقافة الحداثة والنهضة الشاملة، وذلك بترسيخ فيم العقل والعلم والإبداع والرقي بالذوق الجمالي والفني لدى المشاهد العربي، وتشجيع البرامج والمنتجات الإعلامية العربية، والانتقال بالتلفزيون من وظيفة الفرجة التضبيعية والتضليل الإيديولوجي والسياسي، إلى وظيفة التثقيف والتكوين العلمي المتين والإبداع الخلاق... 
  •  اجتماعيا وأخلاقيا: يجب على ا لتلفزيون العربي أن يلعب دوره كاملا كمؤسسة للتربية والتنشئة الاجتماعية العمومية كذلك، وذلك بالعمل على تجاوز مظاهر الأنانية والطبقية والنخبوية والقبلية الشوفينية، والتعصب الأعمى و ترسيخ القيم الجماعية الإيجابية والوطنية والإنسانية عامة.
  •  سيكولوجيا: جعل التليفزيون يلعب دورا حاسما في بناء شخصية سليمة ومتوازنة، عبر بناء الاتجاهات النفسية الإيجابية، وتصحيح انحرافاتها المعرفية والوجدانية المرضية والسلبية، وذلك من اجل بناء شخصية ناضجة و ذكية وواعية ومثقفة وقوية وفعالة..
 إن تلفزيوننا العربي يمكن له أن يقوم بوظائف طلائعية وريادية في بناء مجتمع متقدم ومتحضر، ورفع التحديات و الأخطار المعاصرة التي تزداد حدة ، خصوصا وأننا في زمن الإعلام والمعرفة، وفي زمن تطغى عليه قيم وسلطة العولمة في أبعادها الصراعية السياسية والحضارية؛وإن صانعي العولمة والمتحكمين في هندستها وخيراتها، لم يتمكنوا من صناعتها كأداة وكسلاح للسيطرة على العالم من فراغ، بل"إن أصول(هذه) العولمة ترجع إلى تعميم تطبيقات العلوم على كافة الأنشطة البشرية، واكتساح التكنولوجيا الجديدة، والتي تثير عوامل ضبط تمس الاقتصاد والتوازنات البيئية،وتؤدي إلى تصورات أساسية في الأخلاق،وتجر على قبول حدثنة ثقافية، وتطوير الفضاءات الاجتماعية، وتوجب إصلاحا لفكر يمارس أثرا واضحا على الأنساق التنظيمية والسياسية والتربوية"

 إن التلفزيون العربي(أستعمل العربي بالمعنى الجغرافي للكلمة) من بين أكثر الوسائل المجتمعية التي يمكن توظيفها لصناعة وتحقيق نهضة مجتمعية شاملة، خصوصا إذا علمنا بان التلفزيون كأداة تقنية، ستصبح له وظائف تقنية جديدة وإضافية؛ حيث بالإضافة إلى استخدامه في البت الفضائي والرقمي، سيتم دمجه مع تكنولوجيا الحاسوب(pc)، ومن المتوقع كذلك استخدامه للإبحار عبر الانترنيت، علاوة على الاستخدامات التفاعلية. 

 محمد الصدوقي/ المغرب

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | |