الأربعاء، 13 أغسطس، 2014

التربية على القيم

بواسطة : mar han بتاريخ : الأربعاء, أغسطس 13, 2014

 يمكن اعتبار التربية والقيم وجهان لعملة واحدة، فهما يشكلان علاقة تكاملية وتلازمية في نفس الآن، ولا يمكن الفصل بينهما، فلا تربية بدون قيم، ولا قيم بدون تربية. لذلك فإن التربية على القيم، تمثل إحدى المهام الأساسية للسياسات التعليمية.


قبل الخوض في تفصيل وتحليل العلاقة الكائنة بين إشكالية القيم ومسألة التربية، نحاول أن نقوم بتحديد مفاهيمي للكلمات المفاتيح للموضوع، وهما مفهومي القيم والتربية.

 القيم: جمع قيمة، والقيمة خاصية إن وجدت في الشيء جعلته مرغوبا فيه، أو غير مرغوب فيه، كالخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والعدل والجور، والجمال والقبح، والصدق والكذب. هذه الثنائيات تندرج ضمن أنواع كبرى من القيم، كالقيم السياسية: المواطنة، الديمقراطية… والقيم المنطقية: الصحيح والخطأ… والقيم الأدبية: الذوق والمتعة… والقيم الأخلاقية: الواجب والإيثار . وهي مكونات نفسية مكتسبة، توجه التفكير والسلوك لدى الفرد، وكذا رغباته واتجاهاته، وتحدد السلوك المقبول من المرفوض.

 التربية: فعل التربية في مفهومه البسيط، هو محاولة نقل مجموعة من القيم إلى النشء، لينضبط لها، ويتصرف بناء عليها، بما يتوافق مع الحياة الاجتماعية .
وبالتالي فعملية التربية هي فعل قيمي في جوهرها، باستهدافها تقويم وتجويد السلوك البشري بشكل مباشر.

مدخل التربية على القيم في المدرسة المغربية


برجوعنا إلى التوجيهات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية الوطنية المغربية، ندرك مدى الإلحاح حول تأصيل الطفل المغربي في التراث الإسلامي، وتجديره، واندماجه في حضارته العريقة. ففي معرض استعراضها للأهداف العامة، من مرحلة التعليم الأساسي على سبيل المثال، تذكر (وثيقة عمل لإصلاح النظام التعليمي) والتي أعدتها الوزارة سنة 1985م، بأن التعليم الأساسي يعمل على تحقيق الأهداف التالية:
- تثبيت العقيدة الإسلامية، المبنية على العقيدة والسنة، وغرس القيم الروحية في الناشئة، عن طريق العقل، والحواس، والوجدان، حرصا على التشبث بفضائل الإسلام، وأحكامه، لتكون الموجه للسلوك الذاتي للفرد، ولعلاقته بغيره.
- تعريف المتعلم بتراث أجداده، وأمجاد بلاده، حتى ينشأ محبا لوطنه، مخلصا له، مساهما في خدمته، وتقدمه، متمسكا بمقدساته.
- إكساب المتعلم القدرة على التواصل مع العالم الخارجي، أخذا وعطاء، بفكر مفتوح سموح، وعقل واعد متوقد، وإذكاء فضوله العلمي، وحفزه على البحث والتنقيب، والخلق والإبداع .
ثم جاء الميثاق الوطني للتربية والتكوين 1999م، لترسيخ منظومة القيم في السياسة التربوية الوطنية، بجعله التربية على القيم أحد المداخل الثلاثة للمنظور الإصلاحي الشامل للمنظومة التربوية، حيث نص الميثاق، ولاسيما قسمه الأول، المتعلق بالمبادئ الأساسية للمنظومة الجديدة للتربية والتكوين، سواء في ارتباطها بالمرتكزات الثابتة، أو الغايات الكبرى، أو حقوق وواجبات الأفراد والجماعات، على التربية على القيم.

القيم كمرتكزات ثابتة


القيم التي تم إعلانها كمرتكزات ثابتة، تتمثل في:

- قيم العقيدة الإسلامية.
نظام  التربية والتكوين للمملكة المغربية يهتدي إذن بمبادئ العقيدة وقيمها الرامية إلى تكوين المواطن الصالح المستقيم، والمتصف بالاعتدال والتسامح، والشغوف بطلب العلم والمعرفة في أوسع آفاقهما، والمتوقد للاطلاع والإبداع، والمطبوع بروح المبادرة الإيجابية والإنتاج النافع

- قيم الهوية الحضارية ومبادئها الأخلاقية والثقافية.
يهدف النظام التربوي من خلال مقتضيات الميثاق إلى الالتحام بكيان البلاد العريق القائم على الثوابت والمقدسات، وإلى تربية مواطنين متشبعين بالرغبة في المشاركة الإيجابية في الشأن العمومي وهم وَاعُون أتم الوعي بواجباتهم وحقوقهم، مواطنين متمكنين من التواصل بلغتهم الأم، أكانت عربية أم أمازيغية، متفتحين على اللغات الأكثر انتشارا في العالم، ومتشبعين بروح الحوار، وقبول الاختلاف، مثلما يتأصل النظام التربوي في التراث الحضاري والثقافي للبلاد، بتنوع روافده الثقافية والجهوية المتفاعلة والمتكاملة، ويرمي إلى حفظ هذا التراث مع تجديده وتطويره وضمان إشعاعه، لما يحمله من قيم خلقية وثقافية.

- قيم المواطنة.
ينطلق إصلاح نظام التربية والتكوين، حسب مقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين، من جعل المتعلم في صلب العملية التربوية التكوينية. وذلك بتوفير الشروط وفتح السبل أمام أطفال المغرب ليصقلوا مهاراتهم، ويصبحوا مؤهلين وقادرين على التعلم مدى الحياة. ولن يصلوا إلى هذا المستوى دون التأكيد على انفتاحهم ودون أن تكون المدرسة مدرسة الحريات والإبداع.
ويقتضي بلوغ هذه المرامي - حسب الميثاق الوطني للتربية والتكوين- الوعي بمنتظرات الأطفال وحاجاتهم البدنية والوجدانيةوالنفسية والمعرفية والاجتماعية، كما يتطلب، في الوقت نفسه، نهجَ السلوك التربوي المنسجم مع هذا الوعي، من الوسط العائلي إلى الحياة العملية مرورا بالمدرسة. ومن تم، يقف المربون والمجتمع برمته تجاه المتعلمين موقفًا قوامه التفهم والإرشاد والمساعدة على التقوية التدريجية لسيرورتهم الفكرية والعملية، وتنشئتهم على الاندماج الاجتماعي، واستيعاب القيم الوطنية والمجتمعية.

- قيم حقوق الإنسان ومبادئها الكونية .
 ينبغي لنظام التربية والتكوين أن ينهض بوظائفه كاملة تجاه الأفراد والمجتمع وذلك بمنح الأجيال الصاعدة فرصة اكتساب القيم والمعارف والمهارات التي تؤهلها للاندماج في الحياة العملية بل والمساهمة في تجديد العالم والتحلي بما سماه الأستاذ أفايا بأخلاق المسؤولية.

لذلك تسعى المدرسة المغربية الوطنية الجديدة كما يريدها الميثاق إلى أن تكون مُفعمةً بالحياة، ومفتوحة على محيطها بفضل نهج تربوي نشيط، يتجاوز التلقي السلبي، نهجٌ قوامه استحضار المجتمع في قلب المدرسة، مما يتطلب نسج علاقات جديدة بين المدرسة وفضائها البيئي والمجتمعي والثقافي والاقتصادي.

خلاصة


من خلال هذا الإصلاح الجديد للمنظومة التربوية، تعمل المدرسة المغربية الحالية، على إقحام التربية على القيم في المناهج والبرامج التربوية. كما أن دور المدرسة في بناء قيم صالحة لتشييد صرح البناء الاجتماعي السليم والمتطور، وقدرتها على إشاعة القيم النبيلة في المجتمع، يعتمد حتما على بناء وتشكيل نظام القيم في الناشئة، وصيانة القيم الاجتماعية والإنسانية.

وتبقى المدرسة قادرة بما أوتيت من وسائل بشرية ومادية، على أن تؤدي وظيفتها على أكمل وجه، ولقد ظل المربون والباحثون يؤكدون، ومنذ عقود من الزمن، أن تحقيق الديمقراطية، وإرساء القيم الأساسية للمشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي، مرهونان بتحقيق الديمقراطية في المؤسسة التعليمية التربوية، ويبينون في الوقت نفسه أن التربية على قيم المواطنة أمر يمكن أن يتحقق من خلال عمل مكثف، ومجهود متواصل من طرف الفاعلين داخل المدرسة، وذلك بهدف إرساء القيم، التي تكتسي أهمية خاصة، توازي، بل تفوق أهمية المعرفة المدرسية، لأن جميع المعارف المدرسية يجب أن تخضع للقيم وتتضمنها، كما يجب تضمين القيم في كل الأنشطة التربوية المدرسية.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | |