الخميس، 21 أغسطس، 2014

نظرية الذكاءات المتعددة

بواسطة : mar han بتاريخ : الخميس, أغسطس 21, 2014
عديدة هي النظريات التي تناولت مسألة الذكاء ، كنظرية بياجيه والنظرية السيكومترية ، و ما يجمع بين هذه النظريات كونها تتفق كلها في القول على أن الذكاء بنية متكاملة والأداء في مهمة ما ، يرتبط بالأداء في مهام أخرى.  وجل هذه النظريات يركز على الجانب الخارجي (المظهر) لعملية التعليم و التعلم ولم تصل إلى جوهر الطالب و تحليل قدراته الفعلية كالذكاء مثلا والقدرة على مواجهة المواقف والمشاكل و إيجاد الحلول و التوصيفات لمثل هذه المسائل والمواقف. غير أنه و في سنة 1983 ، سيحدث عالم نفس أمريكي زلزالا في المسلمات المتعلقة بالذكاء البشري ، حيث أوضح هوارد جاردنر Howard Gardner من خلال ملاحظته لأطفال ما قبل المدرسة عدم صحة هذه المسلمات ، قائلا أن كثيرا من معلمي أطفال ما قبل المدرسة ، يدركون أنه يمكن أن يكون لدى طفل معين مهارات العلاقات بين الأشخاص أو ما يسمى الذكاء الاجتماعي ، بينما يكون لدى طفل آخر  ذكاء رياضي . هذه الميول والنزعات لا تظهر فجأة بل من خلال مرور الأطفال بمواقف وأنشطة تحتوى على هذه الذكاءات .

و هكذا قام هوارد جاردنر Howard Gardner بإعادة النظر جذريا فيما يتعلق بالذكاء وآثاره على العملية التعليمية التعلمية ، وتقدم بنظرية جديدة عن الذكاءات المتعددة في كتابه ” الأطر العقلية ”، ” Frames of Mind ” ، رافضا فكرة الذكاء الواحد و مؤكدا على وجود العديد من القدرات العقلية المستقلة نسبيا لدى كل فرد أطلق عليها ” الذكاءات البشرية ” لكل منها خصائصها وسماتها الخاصة بها . فما هي إذن هذه النظرية التي غيرت إلى الأبد مفهوم الذكاء البشري ، و ما أثرها على المنظومة التعليمية ؟


1- نظرية الذكاءات المتعددة  Multiple Intelligences

قبل التطرق لمضمون نظرية الذكاءات المتعددة ، و من أجل فهم أعمق لجوهرها ، لابد من المرور أولا على الرؤية السائدة في الأوساط التربوية و العلمية حول الذكاء ، قبل ثورة جاردنر ، أي لابد من من التعرف على النظرية التقليدية للذكاء .


1- النظرية التقليدية للذكاء

نظرية الذكاءات المتعددة
عرف المعجم الوسيط الذكاء بأنه “قدرة على التحليل والتركيب والتمييز والاختيار، وعلى التكيف إزاء المواقف المختلفة” (أنيس وآخرون – 1392هـ ص314).
والذكاء في قاموس التربية (intelligence) هو “القدرة على التكيف السريع مع وضع مستجد” (الخولي – 1980م – ص239).
و يتفق هذان التعريفان على كون الذكاء يعبر عن عملية التكيف و التأقلم مع المتغيرات، وهذا المفهوم وإن كان يبدو قصيراً لكن فيه من الشمول ما يجعله يحوي العديد من العناصر والمعطيات، فالقدرة على التأقلم مع المتغيرات يعني مهارة عالية ومرونة متميزة في تعاطي المستجدات سواء اجتماعية أو حركية أو ذهنية …

فالذكاء حسب النظريات التقليدية خاصية تختلف قوتها من فرد إلى آخر، و لاختبار قوة الذكاء لدى الأفراد ، وضع علماء النفس مجموعة كبيرة من الاختبارات وطلبوا من الناس أن يجيبوا عنها، ومن خلال هذه الحلول يقومون بتحديد مستوى ذكاء الفرد . و قد اعتمدت معظم هذه الاختبارات إما على كتابة مفردات أو القيام ببعض العمليات الحسابية أو إدراك العلاقة بين بعض الأشكال ، ولكنها في المقابل أهملت مواهب أخرى كالمواهب الرياضية والموسيقية التي يمتلكها كثير من الأفراد ولا يجدون ما يناسبهم في اختبارات الذكاء التقليدي . ( Joseph,1992 )
و كملخص لما سبق فإن المفهوم التقليدي للذكاء كان يدور في مجالات أساس لا تتجاوز التكيف وسرعة البديهة والفطنة وحسن التصرف .


2- نظرية الذكاءات المتعددة

لم تكن نظرية الذكاءات المتعددة وليدة الصدفة،بل كانت لها أسس و مرتكزات علمية ، و جاءت كتتويج لسيرورة طويلة و معقدة من الدراسات العلمية التي اهتمت بمفهوم الذكاء.


أولا: نشأة الذكاءات المتعددة: 

ارتبط مفهوم الذكاء بالعمليات العقلية المتعلقة بالذاكرة والمعرفة والإدراك والطلاقة والاستدلال والقدرة العددية والانتباه والاستيعاب وهناك العديد من النظريات التي حاولت تفسير الذكاء، ومن أوائل النظريات التي بحثت في الذكاء نظرية(سبيرمان) والتي تنظر إلى الذكاء بصورة بسيطة حيث أعتقد هذا الباحث أن الناس يختلفون في مدى ما يمتلكون من طاقة عقلية.

ثم أتى آخرون بعد (سبيرمان) أمثال(ثيرستون) و(جلفورد) و (كاتل) والذين حددوا أبنية القدرات العقلية بتفصيل أكثر.  ثم جاء ( ستيرنبرج) والذي أقترح نظرية تقوم على تحليل مكونات الذكاء وتحليل للأساليب التي يستخدمها الإنسان عندما يقوم بحل المشكلات وقد أعتبر أن هناك مظاهر أساسية للذكاء يجب أن تقوم عليها النظرية المكتملة في الذكاء العملي و الذي يستخدم في مواقف الحياة اليومية وليس من السهل قياسه لعدم سهولة حصر مواقف الحياة، والذكاء الإبداعي والذي يتجلى في اكتشاف حلول جديدة للمشكلات الجديدة أو اكتشاف حلول مختلفة غير مألوفة. وقد وسعت هذه النظرية مفهوم الذكاء لتغطي مجالات لم تؤكدها نظريات الذكاء الأخرى .  ثم جاء جاردنر واضع نظرية الذكاءات المتعددة والذي نحا نحواً مختلفاً عن بقية الباحثين في محاولته تفسير طبيعة الذكاء.  وقد أستمد نظريته من ملاحظاته للأفراد الذين يتمتعون بقدرات عقلية خارقة في بعض المجالات ، لكنهم لا يحصلون في اختبار الذكاء إلا على درجات متوسطة أو دونها ، مما جعله يعتقد أن الذكاء مؤلف من كثير من القدرات المنفصلة والتي يقوم كل منها بعمله مستقلاً استقلالاً نسبياً عن الآخر. و ترى النظرية أن الناس يملكون أنماطاً فريدة من نقاط القوة والضعف في القدرة العقلية .

ثانيا: مرتكزات نظرية الذكاءات المتعددة

نظرية الذكاءات المتعددة
تنطلق نظرية الذكاءات المتعددة من مسلمة مفادها أن  كل الأطفال يولدون ولديهم كفاءات ذهنية متعددة منها ما هو ضعيف ومنها ما هو قوي . ومن شأن التربية الفعالة أن تنمي ما لدى المتعلم من كفاءات ضعيفة وتعمل في الوقت نفسه على زيادة تنمية ما هو قوي لديه. أي أن هذه النظرية تتجنب ربط الكفاءات الذهنية بالعوامل الوراثية التي تسلب كل إرادة للتربية. وترفض هذه النظرية الاختبارات التقليدية للذكاء لأنها لا تنصف ذكاء الشخص فهي تركز على جوانب معينة فقط من الذكاء .

وقد قدمت نظرية الذكاءات المتعددة تفسيرا جديدا لإعادة النظر في قياس الذكاء الذي تجسده نظرية العامل العقلي QI، كما اهتمت بمحاولة فهم الكيفية التي تتشكل بها الإمكانات الذهنية للإنسان والطرق التي تهتم بها سيرورات التعلم.  وكانت أفكار(جاردنرGardener, H,1983 ) والتي حملها كتابيه ( أشكال العقل البشرى )و(إطارات العقل) ترفض فكرة أن الإنسان يمتلك ذكاء واحداً، بل ذكاءات مستقلة، يشغل كل منها حيزاً معيناً في دماغه، ولكل منها نموذج واضح في العقل، ونظام مختلف في الأداء.
إن الأمر يتعلق بتصور تعددي للذكاء، تصور يأخذ بعين الاعتبار مختلف أشكال نشاط الإنسان، وهو تصور يعترف باختلافاتنا الذهنية وبالأساليب المتناقضة الموجودة في سلوك الذهن البشري. و في هذا الإطار يقول جاردنر : ” إن الوقت قد حان للتخلص من المفهوم الكلي للذكاء، ذلك المفهوم الذي يقيسه المعامل العقلي، والتفرغ للاهتمام بشكل طبيعي للكيفية التي تنمي بها الشعوب الكفاءات الضرورية لنمط عيشها، ولنأخذ على سبيل المثال أساليب عمل البحارة في وسط البحار، إنهم يهتدون إلي طريقهم من بين عدد كبير من الطرق، وذلك بفضل النجوم وبفضل حركات مراكبهم على الماء وبفضل بعض العلامات المشتتة. إن كلمة ذكاء بالنسبة إليهم تعني بدون شك براعة في الملاحة. ولننظر كذلك إلى المهندسين والصيادين والقناصين والرسامين والرياضيين والمدربين ورؤساء القبائل والسحرة وغيرهم. إن كل الأدوار التي يقوم بها هؤلاء ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، إذا قبلنا تعريفاً جديداً للذكاء، باعتباره كفاءة أو قدرة لحل المشكلات أو إنتاج أشياء جديدة، ذات قيمة في ثقافةٍ ما أو مجتمع ما من المجتمعات، إن كل الكفاءات والقدرات التي يظهرها هؤلاء في حياتهم وعملهم تعتبر بدون شك شكلاً من أشكال الذكاء الذي لا يقتصر على المهارات اللغوية أو الرياضيات والمنطق، التي طالما مجدتها اختبارات المعامل العقلي، وعلى هذا الأساس، فإن نظرية الذكاءات المتعددة تقف موقفاً خاصاً من اختبارات الذكاء، التي طالما مجدت وقامت بإصدار أحكام بخصوص الطلاب ومستقبلهم الدراسي ”  (أحمد أوزي،1999).


ثالثا: الأسس التي قامت عليها نظرية الذكاءات المتعددة:

أقام جاردنر نظرية الذكاءات المتعددة على عدة أسس، يمكن اختصارها في النقط التالية :
  •  الذكاء مجموعة متعددة من الذكاءات قابلة للنمو و التطور .
  •  يتوفر كل شخص على تكوين متفرد من الذكاءات المتعددة المتنوعة .
  •  تختلف الذكاءات في نموها داخل الفرد الواحد أو بين الأفراد بعضهم البعض .
  •  يمكن تنمية الذكاءات المتعددة بدرجات متفاوتة إذا أتيحت الفرصة لذلك .
  •  يمكن تحديد وقياس الذكاءات المتعددة، والقدرات المعرفية العقلية التي تقف وراء كل نوع.

فيما يلي، هاورد جاردنر متحدثا عن نظرية الذكاءات المتعددة

رابعا: أنواع الذكاءات المتعددة:

نظرية الذكاءات المتعددة
يتحدث هوارد غاردنر عن مجموعة من الذكاءات المتعددة التي تتأثر بما هو وراثي فطري يولد مع الإنسان من جهة، و بما هو مكتسب من البيئة والوسط (الأسرة، والشارع، والمدرسة، والتربية، والمجتمع…). و قد صنف جاردنر هذه الذكاءات إلى ثمانية أنواع سنتطرق إليها بالتفصيل:

أ ـ الذكاء اللغوي: و يعني القدرة على إنتاج وتأويل مجموعة من العلامات المساعدة على نقل معلومات لها دلالة. و من يتمتع بهذا النوع من الذكاء يبدي السهولة في إنتاج اللغة، والإحساس بالفرق بين الكلمات وترتيبها وإيقاعها.
إن المتعلمين الذين يتفوقون في هذا الذكاء، يحبون القراءة والكتابة ورواية القصص، كما أن لهم قدرة كبيرة على تذكر الأسماء والأماكن والتواريخ والأشياء القليلة الأهمية.
يظهر الذكاء اللغوي لدى الكتاب والخطباء والشعراء والمعلمين، وذلك بحكم استعمالهم الدائم للغة، كما يظهر لدى كتاب الإدارة وأصحاب المهن الحرة والفكاهيين والممثلين.

ب ـ الذكاء المنطقي ـ الرياضي: يغطي هذا الذكاء مجمل القدرات الذهنية، التي تتيح للشخص ملاحظة واستنباط ووضع العديد من الفروض الضرورية للسيرورة المتبعة لإيجاد الحلول للمشكلات، وكذا القدرة على قراءة و تحليل الرسوم البيانية والعلاقات التجريدية والتصرف فيها.
إن المتعلمين الذين يتفوقون في هذا الذكاء، يتمتعون بموهبة حل المشاكل، ولهم قدرة عالية على التفكير، فهم يطرحون أسئلة بشكل منطقي ويمكنهم أن يتفوقوا في المنطق المرتبط بالعلوم وبحل المشاكل.
يمكن ملاحظة هذا الذكاء لدى العلماء والعاملين في البنوك والمهتمين بالرياضيات ومبرمجي الإعلاميات والمحامين والمحاسبين.

ج ـ الذكاء التفاعلي: يتمتع أصحاب هذا الذكاء بقدرة عالية على فهم الآخرين، وتحديد رغباتهم ومشاريعهم وحوافزهم ونواياهم والعمل معهم، كما أن لصاحبه القدرة على العمل بفاعلية مع الآخرين.
إن المتعلّمين الذين لهم هذا الذكاء يميلون إلى العمل الجماعي، ولهم القدرة على لعب دور الزعامة والتنظيم والتواصل والوساطة والمفاوضات.
يتجسّد هذا الذكاء لدى المدرسين والأطباء والتجار والمستشارين والسياسيين والزعماء الدينيين وأطر المقاولات.
د ـ الذكاء الذاتي: يتمحور حول تأمل الشخص لذاته، وفهمه لها، وحب العمل بمفرده، والقدرة على فهمه لانفعالاته وأهدافه ونواياه، إن المتعلمين الذين يتفوقون في هذا الذكاء يتمتعون بإحساس قوي بالأنا، ولهم ثقة كبيرة بالنفس، ويحبذون العمل منفردين، ولهم إحساسات قوية بقدراتهم الذاتية ومهارتهم الشخصية.  يبرز هذا الذكاء لدى الفلاسفة والأطباء النفسانيين والزعماء الدينيين والباحثين في الذكاء الإنساني.
يرى جاردنر أن هذا الذكاء تصعب ملاحظته، والوسيلة الوحيدة للتعرف عليه، ربما تكمن في ملاحظة المتعلمين، وتحليل عاداتهم في العمل، وإنتاجهم، ومن المهم كذلك أن نتجنب الحكم بصفة تلقائية على المتعلمين الذين يحبون العمل على انفراد، أو أولئك المنطوين على أنفسهم على أنهم يتمتعون بهذا الذكاء.

هـ ـ الذكاء الجسمي ـ الحركي: أصحاب هذا الذكاء يميلون لاستعمال الجسم لحل المشكلات، والقيام ببعض الأعمال، والتعبير عن الأفكار والأحاسيس. إن التلاميذ الذين يتمتعون بهذه القدرة يتفوقون في الأنشطة البدنية، وفي التنسيق بين المرئي والحركي، و عندهم ميولٌ للحركة ولمس الأشياء. يتميز بهذه القدرة الجسمية الحركية الفائقة، الممثلون والرياضيون والجراحون والمقلدون والموسيقيون والراقصون والراقصات والمخترعون.

و ـ الذكاء الموسيقي: يسمح هذا الذكاء لصاحبه بالقيام بالتعرف على النغمات الموسيقية، وإدراك إيقاعها الزمني، و الإحساس بالمقامات الموسيقية، و بالتفاعل العاطفي مع هذه العناصر الموسيقية. نجد هذا الذكاء عند المتعلمين الذين يستطيعون تذكر الألحان والتعرف على المقامات والإيقاعات، وهذا النوع من المتعلمين يحبون الاستماع إلى الموسيقى، وعندهم إحساس كبير بالأصوات المحيطة بهم. نجد هذا الذكاء لدى المغنين وكتّاب كلمات الأغاني و كذلك الملحنين و أساتذة الموسيقى.

ز ـ الذكاء البصري ـ الفضائي: يتمحور حول القدرة على خلق تمثلات مرئية للعالم في الفضاء وتكييفها ذهنياً وبطريقة ملموسة، يمكّن صاحبه من إدراك الاتجاه، والتعرف على الوجوه أو الأماكن، وإبراز التفاصيل، وإدراك المجال وتكوين تمثل عنه.
إن المتعلمين الذين يتجلى لديهم هذا الذكاء محتاجون لصورة ذهنية أو صورة ملموسة لفهم المعلومات الجديدة، كما يميلون إلى معالجة الخرائط الجغرافية واللوحات والجداول وتعجبهم ألعاب المتاهات والمركبات.
يوجد هذا الذكاء عند المختصين في فنون الخط وواضعي الخرائط والتصاميم والمهندسين المعماريين والرسامين والنحاتين.

ج ـ الذكاء الطبيعي: يتجلى في القدرة على تحديد وتصنيف الأشياء الطبيعية من نباتات وحيوانات. إن الأطفال المتميزين بهذا الصنف من الذكاء تغريهم الكائنات الحية، ويحبون معرفة كل شيء عنها، كما يحبون التواجد في الطبيعة وملاحظة مختلف مكوناتها.
و بالإضافة إلى هذه الأنواع الثمانية ، يقترح جاردنر نوعا تاسعا بقوله: “يبدو لي اليوم أن هناك شكلاً تاسعاً من الذكاء يفرض نفسه، وهو الذكاء الوجودي، وهو يتضمن القدرة على التأمل في المشكلات الأساسية كالحياة والموت والأبدية، وسيلتحق هذا الذكاء بقائمة الذكاءات السابقة بمجرد ما يتأكد وجود الخلايا العصبية التي يتواجد بها (Gardner,1997) ويمكن اعتبار أرسطو وجان بول سارتر وكير كجارد نماذج ممن يجسد هذا الذكاء التاسع، إذا ثبت مكانه في الدماغ.
إن القائمة السابقة لأنواع الذكاء هي قائمة مبدئية ؛ لأن كل نوع من أنواع الذكاء السابق ذكره يمكن تقسيمه إلى أنواع فرعية، كما يمكن أن يختلف الأفراد فيما بينهم في النوع الواحد من الذكاء .


خامسا: تطبيق نظرية ” الذكاءات المتعددة ” في التعليم

يعاني التعليم في الدول النامية عموما من الابتعاد عن عالم المتعلمين؛ فالمواد التعليمية تقدم في أغلب الأحيان بطرق جافة ومملة، دون مراعاة بيئة المتعلمين وحاجاتهم، فضلاً عن أنها لا تعير اهتماماً لمداركهم وقدراتهم العقلية المختلفة، وما تقتضيه من تنوّع أساليب التدريس لمخاطبة كل فئة بما يناسب طريقتها في التعلم، الشيء الذي جعل أغلب المتعلمين يتعاملون مع المواد الدراسية دون تأثر أو انفعال وجداني.  هذا الأمر ولّد لدى بعضهم النفور والملل، وجعلهم يكوِّنون مشاعر سلبية تجاه المدرّسين و البيئة المدرسية بشكل عام، خاصة في وقت يتاح لهم فيه التعامل مع العديد من الوسائل التعليمية الحديثة والمتطورة، التي أنتجتها التكنولوجيا المعاصرة ، والتي تعمل على إشباع حاجاتهم المعرفية بطرق تفاعلية و مشوقة.


2- أهمية التدريس ب ” الذكاءات المتعددة “

نظرية الذكاءات المتعددة
بينما يتم التركيز في التعليم التقليدي على الحلول والإجابات للمسائل والمواقف التي يتعرض لها الطالب فضلا عن الطريقة المتبعة في التوصل لكل الحلول أو الإجابات، نجد أن نظرية الذكاء المتعدد تقترح عمليات وطرق واستراتيجيات مستقلة عن بعضها البعض لدى كل طالب. فمعظم المسائل الشائكة ومواقف الحياة العملية الحقيقية تتطلب استخدام أنواع متعددة من الذكاء في نفس الوقت. و قياسا على ما سبق ذكره ، و بناءا على الدراسات التي تناولت تطبيق هذه النظرية في التعليم ، يمكن تلخيص أهمية التدريس عن طريق الذكاءات المتعددة في النقط التالية :
  • الأخذ بعين الاعتبار للذكاءات المتعددة في التدريس يتوافق مع الدراسات الحديثة للدماغ والتي قامت على أساس تجزئته وتصنيف القدرات الدماغية واختلافها من شخص إلى آخر.
  •  نظرية الذكاءات المتعددة تساعد المعلمين على توسيع دائرة استراتيجياتهم التدريسية؛  ليصلوا لأكبر عدد من التلاميذ على اختلاف ذكاءاتهم.
  • يسمح توظيف هذه النظرية بخلق بيئة تعليمية يمكن فيها لكل طالب أن يحقق ذاته ويتميز بالجوانب التي ينفرد بها.
  •  تقدم نظرية الذكاءات المتعدّدة نموذجاً للتعلم ليس له قواعد محددة، فيما عدا المتطلبات التي تفرضها المكونات المعرفية لكل ذكاء، فنظرية الذكاءات المتعدّدة تقترح حلولاً يمكن للمعلمين في ضوئها أن يصمموا مناهج جديدة، كما تمدنا بإطار يمكن للمعلمين من خلاله أن يتناولوا أي محتوى تعليمي ويقدموه بطرق مختلفة.
  • تنويع طرق التدريس لمراعاة اختلاف المتعلمين يخفف  من حدة العنف الطلابي تجاه البيئة المدرسية.
  •  يساعد توظيف نظرية الذكاءات المتعددة على تنشئة الطالب المفكر، وتدعم كثيراً تدريس مهارات التفكير.
  • تطبيق هذه النظرية يساهم في تصنيف الطلاب وتحديد احتياجاتهم العلمية والنفسية.
  • تتمثل أهمية نظرية الذكاءات المتعدّدة أيضا في كونها تقلل من نقل التلاميذ الذين يعانون من صعوبات التعلم ،  والتلاميذ ذوو الحاجات الخاصة إلى فصول التربية الخاصة . كما أنها تزيد من تقدير هؤلاء التلاميذ لأنفسهم وتحقق التكامل والتفاهم بين التلاميذ بعضهم البعض .
إن تطبيق نظرية الذكاءات المتعددة لا يعنى بالضرورة تقديم الدرس الواحد بطرق متعددة، أو محاولة تنمية كل أنواع الذكاءات من خلال محتوى دراسي واحد؛  حيث يؤكد “جاردنر” أن هذا فهم خطأ لنظريته، ولا ينسجم مع روحها؛  لأن كل نوع من هذه الذكاءات يستجيب لمحتوى معين، فهذه الذكاءات موجودة في عقل الإنسان و تظهر استجابة لتعدد المحتوى ؛  حيث توجد الأصوات واللغات والموسيقى والطبيعة والأشخاص الآخرون والرموز والأشكال وغير ذلك، والمعلم الذكي هو الذي يختار المحتوى المناسب، و الذكاءات المناسبة لهذا المحتوى، و التي يمكن تنميتها من خلاله، ويختار أساليب التدريس، والأنشطة التعليمية المناسبة(هوارد جاردنر 1997م، 401).


3- الذكاءات المتعددة وأساليب المتعلمين في التعلم:

نظرية الذكاءات المتعددة
من بين الفوائد العلمية الهامة لنظرية الذكاءات المتعددة، في مجال الممارسة التعليمية، أنها شخّصت للممارسين التربويين الأساليب التعليمية ـ التعلمية، التي يتعلم بها كل متعلم، وذلك بحسب نوع الذكاء المهيمن عليه، وفيما يلي نعرض للأساليب الخاصة التي يتعلم بها كل طالب يتميز بصنف معين من الذكاء .

أ ـ الذكاء اللغوي: يتميز المتعلم الذي لديه هذا الصنف من الذكاء، بكفاءة السماع، فهو سريع الحفظ لما يسمعه، وما هو مطالب بحفظه، ولا يجد في ذلك أي صعوبة كما أنه يتعلم أكثر عن طريق التعبير بالكلام، وعن طريق السماع والمشاهدة للكلمات .

ب ـ الذكاء المنطقي ـ الرياضي: للمتعلم الذي يتصف بهذا الصنف من الذكاء قدرة فكرية على التصورّ، وله أفكار جريئة، وهو كثير الأسئلة، ودائم التفكير، ويحبّ العمل بواسطة الأشكال والعلاقات والقيام بالتصنيف .

ج ـ الذكاء التفاعلي: إنه متعلم يستوعب أكثر عندما يذاكر مع غيره، وهو يتواصل مع الآخرين بسهولة، ويفهم الآخرين ويتعاون معهم .
د ـ الذكاء الذاتي: يتميز صاحب هذا الذكاء بشخصية قوية وإرادة لمشاعره، وثقة كبيرة في ذاته. وهو يتجنب الأنشطة الجماعية، إذ يفضِّل العمل بمفرده وإنجاز المشاريع حسب إيقاعه الخاص .

هـ ـ الذكاء الجسمي ـ الحركي: يتميز بأن له مهارة جسمية ـ حركية، ويكتسب المعارف عن طريق الحركة، وهو يبرهن عن حركة دقيقة، ويفضل معالجة المعارف بواسطة الإحساس الجسدي .

و ـ الذكاء الموسيقي: صاحب هذا الذكاء متعلم حسّاس تجاه إيقاعات اللغة والأصوات، وقادر على التعبير عن أفكاره عن طريق الموسيقى، و يستجيب لهذه الأخيرة بطرق مختلفة .

ز ـ الذكاء الفضائي: المتعلمون الذين يهيمن عليهم هذا النوع من الذكاء ، يميلون إلى التفكير باستخدام الصور والألوان، ويدركون موضوع الأشياء وله ذاكرة بصرية قوية .

ح ـ الذكاء الطبيعي: يحبُّ من يتمتع بهذا الذكاء التعلم الحي و خاصة الحقائق المستوحاة من الواقع الطبيعي.

كانت هذه أهم الجوانب النظرية لتطبيق نظرية الذكاءات المتعددة في التعليم ، و في الفيديو التالي ستتعرفون على درس نموذجي تطبيقي لنظرية جاردنر في التعليم  :

في هذا المقال رأينا كيف عملت نظرية الذكاءات المتعدِّدة على بعث روح جديدة في الصفوف الدراسية، و على الممارسة التعليمية بوجه خاص، و كيف أمدّتها بنفس جديد في مطلع الألفية الثالثة، حيث أولت الاهتمام للمتعلم قبل الاهتمام بالمواد الدراسية، وأعطته الفاعلية المطلوبة والأساسية للتعلم، وقامت برعاية قدراته لتتبلور وتتفتح بشكل يحقق ذاته، كما أنها وطدت علاقة التواصل بين المعلم والمتعلم، وألغت الأحكام المسبقة على المتعلمين، ووصفهم بنعوت سلبية كلما لم يستجيبوا لإيقاعات تعليمية تعلمية معينة، كما أنها عملت على مراجعة مفاهيم الذكاء الكلاسيكية، ووضعت عوضه مفهوماً إجرائياً جديداً، يخدم المتعلم ويخدم ثقافته الاجتماعية ، و في مقال قادم إن شاء الله ، سنعرفكم على العلاقة القائمة بين هذه النظرية و تكنولوجيا التعليم.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | |