الثلاثاء، 27 يناير، 2015

يوميات معلم محاصر بالثلوج لمدة خمسة أيام وليلة

بواسطة : tifawt بتاريخ : الثلاثاء, يناير 27, 2015
محاصرا لمدة خمسة أيام و ليلة، أتجاوز عشية عتبة المنزل للوصول إلى البئر الجماعي للقرية أو دكانها حيث تناقش بشكل مفصل مستجدات معاناة يوم مجمد أبيض،يوم كباقي الأيام المريرة ، دكان يفتتح لمدة ساعة واحدة يوميا عارضا بضائعه: بسكويت أطفال ، سجائر ، قوارير مربى و زيت ، توابل...

المهم كل الأشياء التي لن تطعمك من جوع و لن تقيك من برد ،جغرافيا بياض قارس، نحتفظ ببرده أما البياض فيسيل مباشرا المسير نحو سدود تروي غلال بعض ممن يمطرنا نارا و سعيرا ،مستوى الثلج يتجاوز المترين في بعض الأمكنة ،أحاط بأبواب منازل عدة و سوى سطوح أخرى بالزرائب،ثلج ليس كذلك الموجه للسائح الأجنبي في نشرات الأخبار ،الأطفال ممنوعون من مبارحة نطاق فاعلية المدفئة، وحدها الكلاب تلهو و تعدو في كل الاتجاهات،عدت لكيس بلاستيكي وضعت فيه قطع خبز يابس منذ أسبوع مضى لأسخنها كي ترحم احشائي،كنت فيما مضى أوزعها أقساطا على كلاب اعتادت زيارتي مساء و خصوصا ذلك الهزيل المواظب على المرابطة أمام باب منزلي المهتريء كل ليل، أتساءل حائرا: من يحرس الآخر؟ ربما جال السؤال ذاته بذهنه.

 أشعل الموقد و ألف جسدي في فراش يزكمني برائحة دخان أعواد البلوط و الأرز اليابس طبعا،أما الأخضر فقد يسر له رجال حماية الثروة الغابوية بمعية أفراد الدرك الملكي السبيل إلى حيث يطمر أرصدة في حسابات مافيا غابات الأطلس،أحس بالدفء فأتذكر أبناء الجارة الخمسة كيف تسويهم قرب المدفئة و يلتصق بعضهم بالآخر باحتكاك بحثا عن الدفء قبل تدثيرهم بغطاء صوفي خشن،ينقلهم لخشونة الحلم و قساوته بعد عبور نهار ليس لهم منه سوى الهواء،تضايقني ميول انتهازية تثير في نفسي كل الرغبات الدنيئة للاسترزاق النقابي و ركوب ظهر شغيلة لامبالية،و لم لا استفيد أنا كذلك؟ تصفعني صورة أم الخمسة التي غادرت زوجا قواما بالصفع و الركل و الجوع ، تطعم صغارها من عرق جبينها و تعب حمارها قاطعة كل يوم مسافة أزيد من 40 كيلومتر لبيع أغصان الأرز البالية ،هذا كل ما بقي لها من جثة "التراث العالمي"،أيكون حمار "لالة حادة" أفضل مني ؟؟؟

 لن أقبل الفضيحة. ألعن ، أسب ، أجدف ،و ابتسم واضعا الإبريق فوق الموقد الذي يستقبل قطرات السقف الإسمنتي المائل الذي ابتلع المقاول قسطا منه ليضاعف الأرباح في كفته و المآسي لرجال التعليم العاملين بالعالم القروي، أضيف نصف كأس من الماء الساخن للكوب ، و أقرب قارورة الزيت من الموقد لتنصهر قليلا،زيت المطبخ جامد و زيت الزيتون كذلك هذا لمن ألف قياس الجودة بدرجة التجمد ،أعصر القارورة البلاستيكية مقتنعا بالفوائد السحرية لزيت الزيتون الطبيعي مستعينا بالسحر ذاته لأخفي ،واهما ،بؤس و شقاء وضعي،الرياح تدفع بعنف غشاء نافذة الغرفة، عذرا أتحدث عن غار في الجانب الأيمن من الغرفة أسميته نافذة ،ستعود المياه وفيرة للعيون و الأنهار و الآبار،آه من ويل الآبار، حراس الثلج لا يمكنهم حفر أزيد من متر دون الحصول على رخصة من المصالح المختصة بالحوض المائي و هي واقعة في مدينة وجدة،أين تقع مدينة وجدة؟؟؟ في مكتب القايد أحيانا...

الثلج أمانة في عنق أهل قريتي و للماء أهله ... شيخ القبيلة يتصل بموظف القيادة المكلف باستقبال اتصالات "المقدمين" و "الشيوخ" لإخباره بمستجدات الوضع: الطريق مسدودة،الناس سيمانة هادي بقات بلا سوق،العلف تقاضا للغنم و الدقيق تسالا للناس،اسلاك الكهرباء كلها وصلات للأرض،الدراري ماتيقراوش،المعلمين وحلو هنا بلا زاد بلا مؤونة ... يجيبه الموظف: شكرا للمعلومات و مبروك علينا و عليكوم هاد الخير... انتهى الاتصال، وزارة الداخلية عين بصيرة و يد قديرة،ليست أم الوزارات فقط بل والدها أيضا هذا الخير كله نتاج صلاة الاستسقاء،تتذكرون صلاة الاستسقاء،تخيلوا سنة بدون صلاة استسقاء رسمية،طبعا ستكون جافة و سيعم الجراد و الخراب مغربنا ... و سيظل أملنا كبيرا في صلاة استسقاء ديمقراطي،صلاة تلم ضحايا الجفاف المخزني.

 بقلم Kabir Kacha

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | |